ومما ينبغي أن يتفطن له المفتي أو الناظر التبيّن من مقصود السائل أو المستفتي وطلب المزيد من الإيضاح والاستفصال منه؛ وذلك حين لا يفهم المفتي صورة النازلة كما يجب، من أجل التعرف السليم على الحكم الشرعي الذي تندرج تحته تلك النازلة أو حين يكون الأمر يدعو إلى التفصيل والإيضاح.

وقد ضرب ابن القيم ـ رحمه الله ـ عدَّة أمثلةٍ في هذا المجال فمن ذلك: «إذا سُئِلَ عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا، ففعله، لم يجز له أن يفتي بحنثه حتى يستفصله؛ هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى عقيب يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالمًا ذاكرًا مختارًا أم كان ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا؟ وإذا كان عالمًا مختارًا فهل كان المحلوف عليه داخلاً في قصده ونيته أو قصد عدم دخوله مخصصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله» (24).

فالمقصود أن يتنبه المفتي والناظر على وجوب الفهم الكامل للنازلة والاستفصال عند وجود الاحتمال لأن المسائل النازلة ترد في قوالب متنوعة وكثيرة، فإن لم يتفطن لذلك المجتهد أو المفتي هلك وأهلك (25).

والمتأمل في بعض فقهاء العصر يجد بعضهم يجازف بالفتوى في أمور المعاملات الحديثة، مثل التأمين بأنواعه، وأعمال البنوك، والأسهم والسندات، وأصناف الشركات، فيحرم ويحلل دون أن يحيط بهذه الأشياء خبرًا ويدرسها جيدًا، ومهما يكن علمه بالنصوص عظيمًا ومعرفته بالأدلة واسعة، فإن هذا لا يغني ما لم يؤيد ذلك معرفة تامة بالواقعة المسئول عنها وفهمه لحقيقتها الراهنة (26).

رابعًا: التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص:

بيّنا في الضابط السابق أهمية فهم النازلة فهمًا دقيقًا واضحًا كافيًا يجعل الناظر متصورًا حقيقة المسألة تصورًا صحيحًا يحسن بعدها أن يحكم بما يراه الحق فيها، وقد يحتاج الفقيه أن يستفصل من السائل عند ورود الاحتمال إذا دعى إلى ذلك المقام.

ومما ينبغي أيضًا للناظر أن يراعيه هنا زيادة التثبت والتحري للمسألة، وعدم الاستعجال في الحكم عليها، والتأني في نظره لها، فقد يطرأ ما يغير واقع المسألة أو يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها، فإذا أفتى أو حكم من خلال نظرٍ قاصرٍ أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ، فقد يخطئ الصواب ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير (27).

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد التثبت والتحري في الفتيا والاجتهاد؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من أُفْتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه» (28)، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار» (29).

و يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون» (30). وكان ابن مسعود رضي الله عنه يُسأَل عن المسألة فيتفكر فيها شهرًا، ثم يقول: «اللهم إن كان صوابًا فمن عندك، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود» (31).

وجاء عن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أنه قال: «إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن» (32). وقال أيضًا: «ربما وردت عليَّ المسألة فأفكر فيها ليالي» (33).

ولاشك في دلالة هذه الأحاديث والآثار على أهمية التثبت في الفتوى وعدم الاستعجال في إجابة كل أحدٍ دون تروٍ ونظرٍ، فالمفتي في النوازل إذا وضع نصب عينيه أهمية خطته وشرفها اتخذ الإخلاص والتثبت شعاره ضمن النجاح في القيام بمسئوليته الجسيمة (34).

يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في ذلك: «حقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعدّ له عدّته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه , ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب» (35).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015