أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدال أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه أو الخوض فيما لا يحسنه أهل العلم والنظر، أو نحو ذلك، فهذه مما ينبغي للناظر أن لا يلقي لها بالاً؛ لأنها تضر ولا تنفع وتهدم ولا تبني وقد تفرق ولا تجمع.
وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الغلوطات (14).
وجاء عن معاوية رضي الله عنه: أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: «أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل» (15).
قال الخطابي ـ رحمه الله ـ في هذا المعني: «الغلوطات: جمع غلوطة، وهي المسألة التي يعيا بها المسؤول فيغلط فيها، كره أن يُعترض بها العلماء فيغالطوا ليستزلوا ويستسقط رأيهم فيها» (16).
فشداد المسائل وصعابها مما لا نفع فيه ولا فائدة إلا إعنات المسئول لاشك أنه مذموم شرعًا، ينبغي أن يحذر الفقيه أو الناظر من الانسياق الملهي خلف هذه المسائل والانشغال بها عما هو أهم وأعظم، كذلك ينبغي للناظر أن لا يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النص؛ إذ القاعدة فيها: «لا مساغ للاجتهاد في مورد النص» (17).
والمقصود بهذه القاعدة ـ على وجه الإجمال ـ ما قاله الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ أن «المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي» (18).
ويمكن من خلال النقاط التالية إبراز ما يسوغ للمجتهد أن ينظر فيه من النوازل بإجمالٍ:
1 ـ أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصوصٍ عليها بنصٍ قاطعٍ أو مجمع عليها.
2 ـ أن يكون النص الوارد في هذه المسألة ـ إن ورد فيها نصٌ ـ محتملاً قابلاً للتأويل.
3 ـ أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحدٍ منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر (19).
4 ـ أن لا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة.
5 ـ أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع أو مما يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة (20).
ثالثًا: فهم النازلة فهمًا دقيقًا:
إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلف قول، بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يومًا من الدهر والله أعلم.
من هذا المنطلق كان لا بد للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهمًا دقيقًا وتصورها تصورًا صحيحًا قبل البدء في بحث حكمها، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكم أُتِي الباحث أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه؟ فالناس في واقعهم يعيشون أمرًا، والباحث يتصور أمرًا آخر ويحكم عليه.
فلابد حينئذ من تفهم المسألة من جميع جوانبها والتعرف على جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها وغير ذلك مما له تأثير في الحكم فيها (21).
ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ ما يؤكد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث جاء فيه: «أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أُدليَ إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بالحق لا نفاذ له ... ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق» (22).
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ معلقًا وشارحًا هذا الكتاب بقوله: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا ... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله» (23).
¥