ويُروى عن الصحابة في ذلك آثار كثيرة منها: أن رجلاً جاء إلى ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فسأله عن شيء، فقال له ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن» (6).

وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سأله إنسان عن شيء قال: «آلله! أكان هذا؟ فإن قال: نعم، نظر وإلا لم يتكلم» (7).

«وعن مسروق قال: كنت أمشي مع أُبي بن كعب رضي الله عنه فقال: فتىً: ما تقول يا عماه في كذا وكذا؛ قال: يا بن أخي! أكان هذا؟ قال: لا، قال: فاعفنا حتى يكون» (8).

«ويروى عن عبد الملك بن مروان ـ رحمه الله ـ أنه سأل ابن شهاب ـ رحمه الله ـ فقال له ابن شهاب: أكان هذا بأمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فدعه، فإنه إذا كان، أتى الله عز وجل له بفرج» (9).

فهذه الآثار وغيرها كثير تبين حرص الصحابة والتابعين على عدم الخوض في مسائل لم تقع، سواءً بالسؤال عنها أو بالجواب فيها؛ لأن النظر فيها لا ينفع، كما

هو معلوم عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال فيهم ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم» (10).

ويوضح ابن القيم ـ رحمه الله ـ مقصد ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بقوله: «ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة»، فقال: «المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم أحكامها في السنة لا تكاد تحصى، ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه، فأجابهم، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (*) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) (11)» (12).

فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكد من وقوع النازلة، ولا ينظر في المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول، ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقع منصوصًا عليها، أو كان حصولها متوقعًا عقلاً فتستحب الإجابة عنها، والبحث فيها؛ لأجل البيان والتوضيح ومعرفة حكمها إذا نزلت.

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ بعد أن حكى امتناع السلف عن الإجابة فيما لم يقع: «والحق التفصيل، فإذا كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها.

وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، ولاسيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم» (13).

ثانيًا: أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها:

بيَّنا فيما سبق أهمية مراعاة المجتهد، وتأكده من وقوع النازلة، وترك النظر عما لم يقع أو يستبعد وقوعه عقلاً؛ وذلك حتى لا ينشغل أهل الاجتهاد عما هو واقع فعلاً أو ما لا نفع فيه ولا فائدة.

وإذا قررنا مبدأ النظر في الوقائع الحادثة للناس والمجتمعات، فللمجتهد بعد ذلك أن يعرف ما يسوغ النظر فيه من المسائل وما لا يسوغ، وهذا الضابط لا ينفك عن الذي قبله؛ وذلك لأن المجتهد قد يترك الاجتهاد في بعض المسائل التي لا يسوغ فيها النظر؛ لأن حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل لعدم الفائدة والنفع من ورائها، فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهد الناظر ألا يشغل نفسه وغيره من أهل العلم إلا بما ينفع الناس ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015