وشرط العدالة يدخل فيه عدم التساهل في الفتوى بالشرع والمحاباة فيها، مع مراعاة وجه الحق في كل ذلك والنظر إلى مشكلات الناس برحمة ويسر الشرع، وحمل أفعالهم على الوسط في أحكامه. إلى غيرها من الشروط التي ذكرها أهل العلم فيمن يتصدى للنظر والإفتاء، وهي كالتكملة والتتمة لما ينبغي أن يكون عليه الناظر من العدالة والعلم (1).

إلا أن خطة النظر والاجتهاد والإفتاء في النوازل والواقعات قد أصابتها عوارض أخرجتها عن النهج الذي قرره أهل العلم من مبادئ وأسس للنظر، وهذا النوع من الخلل إما أن يكون من جهة الزيغ في إصدار الأحكام، أو في كيفية النظر في تناول هذه المستجدات، وإما من جهة انحراف الناظر وعدم إخلاصه وتقواه في فتواه واجتهاده؛ مما جعل بعض الأئمة والعلماء يتذمرون ويشتكون من ذلك في كل عصر يخرج فيه أهل النظر والاجتهاد عن الطريق السوي.

وقد حصل ما يدل على ذلك في عهد مبكر يشهد عليه الإمام مالك ـ رحمه الله ـ حيث قال: «ما شيء أشد عليّ من أن أُسأل عن مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سُئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدًا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليًا وعلقمة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون، ثم حينئذٍ يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم» (2).

ويتضح لنا من كلام الإمام مالك ـ رحمه الله ـ المنهجية المثلى التي كان

السلف ـ رحمهم الله ـ يتبعونها عند نظرهم واجتهادهم في الأحكام والواقعات؛ من عدم التسرع في الفتوى، أو التقصير في بحثها والنظر فيها، أو قلة التحري والتشاور في أمرها، مما يؤدي إلى انخرامٍ ظاهرٍ في نظام النظر والاجتهاد و الفتيا، أو تسيبٍ واعتسافٍ في احترام هذا المقام العالي من الشريعة (3).

ومن أجل هذه الأهمية في المحافظة على هذا المقام والتأكيد على ما يحتاجه الفقيه من ضوابط وشروط للنظر، لاسيما في النوازل المعاصرة التي يكثر فيها زلل الأقدام وانحراف الأفهام، وذلك بما تميز به عصرنا من صراعات ثقافية وتيارات فكرية، بالإضافة إلى كثرة المؤثرات النفسية والاجتماعية والسياسية، مما يجعلها في عصرنا أشد من أي عصر مضى، ويزداد أمر الانحراف في الاجتهاد والنظر خطرًا تبعًا لاتساع دائرة انتشار هذه الاجتهادات والفتاوى بواسطة وسائل الإعلام الحديثة من طبع ونشر وإذاعة وتلفزة.

إن الضوابط والآداب التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل وخصوصًا ما كان منها معاصرًا، منها ما يحتاجه قبل الحكم في النازلة، وهذا النوع من الضوابط يكون ضروريًا لإعطاء المجتهد أهلية كاملة وعدة كافية يتسنى بها الخوض للنظر والاجتهاد في حكمها، وهناك ضوابط أخرى يحتاجها الناظر أثناء البحث والاجتهاد في حكم النازلة، ينتج من خلال هذه الضوابط أقرب الأحكام للصواب وأوفقها للحق بإذن الله.

وسيكون البحث في هذا المطلب حول أهم الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم في النازلة؛ على النحو التالي:

أولاً: التأكد من وقوعها:

الأصل في المسائل النازلة وقوعها وحدوثها في واقع الأمر، وعندها ينبغي أن ينظر المجتهد في التحقق من وقوعها والتأكد من حدوثها، ومن ثمَّ استنباط حكمها الشرعي، وقد يحصل أن يُسأل الفقيه المجتهد عن مسألة لم تقع تكلفًا من السائل وتعمقًا منه في تخيلات وتوقعات لا تفيد صاحبها ولا تنفع عالمًا أو متعلمًا، وذلك لبعد وقوعها واستحالة حدوثها.

ولا يخفى أن التوغل في باب الاجتهاد إنما هو للحاجة التي تنزل بالمكلف يحتاج فيها إلى معرفة حكم الشرع وإلا وقع في الحرج والعنت أو الخوض في مسائل الشريعة بغير علم أو هدى، أما إذا كان باب الاجتهاد مفتوحًا من غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت، فلا شك في كراهية النظر في مسائل لم تنزل أو يستبعد وقوعها (4).

ويؤيد ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال عمَّا لم يقع وامتناعهم عن الإفتاء، فيها، وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه (5).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015