ج ـ من المعلوم أن الفتاوى الفردية تثري الاجتهاد الجمعي، وتمدُّه بآراء متنوعة، بحيث يتمكن أعضاء المجمع من استعراض جميع الآراء الممكنة في المسألة، وتقليبها على أوجُهِها، واختيار ما يرونه صوابًا، بل إن كثيرًا من قرارات المجامع يكون أصلُها فتيا فردية، انعقدَ رأي الأعضاء عليها، أو وافق أكثرهم على اعتبارِها، فاكتسبت صفة الجماعية.

د ـ كثيرٌ من المسائل الواقعة تكون نوازل فردية شخصية، ليس لها طبيعة العموم، ومثلُ هذه لا يمكن للمجامع أن تَتَبَّعَها، وتنشغل وتدارسها عن النوازل العامة، خصوصًا حين نتذكر ضيق الوقت بالنسبة إلى المجامع، ففي الغالب أن النوازل العامة تستغرق وقتًُا أكبر من الوقت المخصص لها في الدورة الواحدة، ولهذا فإن الفتية الفردية هي الأنسب لهذا الجنس من المسائل.

عوامل تقويم الفتيا الفردية:

تقدم أنه ينبغي التواصي بضبط الفتاوى الفردية، والسعي في ترشيدها وتسديدها، وذلك يحصل بتأصيل أصولها، وتقرير معاييرها، وتصحيح صحيحها، وتفنيد باطلها، وامتحان زائفها بالوقائع الجارية، وحجز الجهلة عن التواثب على منابرها، وهذا ضربٌ من الجهاد العلمي عزيزٌ، وبيان هذه الضوابط فيما يأتي:

أ ـ تأصيل علم الفتيا.

ب ـ بروز العلماء الكبار.

ج ـ إعداد الفقيه الراسخ.

د ـ تفنيد الفتاوى الخاطئة.

هـ ـ امتحان الفتاوى الزائفة.

الفتيا الجماعية:

تمهيد: المراد بالفتيا الجماعية: يمكن تعريف الفتيا الجماعية بأنها: (الفتيا الصادرة باسم جماعة من المختصين بالشريعة، بعد تداولهم الرأي حولها) (105).

مدى الحاجة على الفتيا الجماعية في هذا العصر:

أ ـ الفتيا الجماعية تنفي الفتاوى الضعيفة.

ب ـ الفتيا الجماعية طريق إلى وحدة الأمة.

ج ـ الفتيا الجماعية قوةٌ سياسية.

مدى حجية الفتيا الجماعية:

اختلف المعاصرون في تحديد مستوى حجية الفتاوى الجماعية الصادرة عن المجامع الفقهية وذلك على قولين:

أ ـ أنها إجماع واقعي واجب الاتباع:

وقد ذهب إلى هذا بعض المعاصرين (106)، وعَدُّوا الاجتهادَ الجماعي هو (الإجماع الواقعي)

الذي يختلف ـ عندهم ـ عن (الإجماع الأصولي) في أمرين:

ب ـ أن الاجتهاد الجماعي حجة ظنية راجحة:

وفيه قال بعض المعاصرين (107)، قالوا: فاتباعه أولى من اتباع الاجتهاد الفردي، لكن يجوز لللآخرين أن يجتهدوا بخلافه، إلا إذا صدر بتنظيمه قرارٌ من ولي أمر المسلمين، فحينئذٍ تكون مقررات المجمع الاجتهادي أحكامًا ملزمةً للكافة، وقواعد قانونية عامة لكل الناس، يجب اتباعها، وتحرم مخالفتها، لما هو مقرر من أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ووجوب طاعة ولي الأمر (108).

الترجيح:

الذي يظهر أن فتاوى المجامع الفقهية العامة هو قولُ جماعة من أهل العلم، لا جميعهم، ويمكن أن تُعَدَّ من قرائن الترجيح بين الأقوال، لكن لا يصح اعتبارها إجماعًا، ولا حجةَ فيها تجاه المخالف، وإنما الحجة في الدليل الشرعي السالم من المعارِض الراجح.

والقول بأن فتاوى المجامع تُعَدُّ إجاعًا؛ هو محاولةٌ لتطوير الشريعة وأدلتها بما يتناسب مع أوضاع العصر وتغيراته (109)، لكنه كما لا يخفى قد جانَبَ الصواب من حيث كونه ابتغى التطوير فيما لا يدخله التطوير، فإنه لا يجوز لأحدٍ كائنًا من كان أن يَنصِبَ للناس دليلاً شرعيًا لم يأذن به الله ـ عز وجل ـ، ولا أن يُلزِمَهُم بما لم يُلزِمهم الله به.

1) لأن العلم يرد إلى أهله والفضل يعود لصاحبه فلم يكن ماسطرته إلا جمعا ممن كتب في هذا الموضوع وهي كتاب فقه النوازل لمحمد الجيزاني والفتيا المعاصرة للدكتور خالد المزيني وضوابط النوازل للشيخ صالح بن حميد حتى لا يظن ظان أن هذه المادة من جعبتي إنما سلكت مسلكا من مسالك بعض أهل العلم وهي طريقة الجمع

2) المستصفى (ص3).

3) التعريفات للجرجاني (ص8).

4) إعلام الموقعين (1/ 217).

5) راجع: إرشاد الفحول (ص202).

6) انظر: لسان العرب (11/ 656 ـ 659).

7) انظر: عقود رسم المفتي من مجموعة رسائل ابن عابدين (1/ 17).

8) انظر: النوازل الفقهية في العمل القضائي المغربي، د. عبد اللطيف هداية الله (ص319).

9) جامع بيان العلم وفضله (2/ 55).

10) انظر: المنثور للزركشي (1/ 69).

11) انظر: المجموع شرح المهذب (1/ 27،45).

12) انظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 139)، وجامع العلوم والحكم (1/ 240 ــ 252)، وإعلام الموقعين (1/ 69).

13) انظر: (1/ 49)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015