فلابد للمفتي من حسن التصور للواقعة، ذلك أنَّ الفتيا الشرعية بيانٌ للحكم الشرعي، وكيف يبيِّن الحكم من لم يتبين السؤال تمام التبيُّن، ولئن كان من المسلَّم به أنَّ الحكم على شيء فرعٌ عن تصوره؛ فإن برامج الفتيا المباشرة يقع فيها أحيانًا تجاوز هذه المسلَّمة، إذا تَتَّسم تلك البرامج بالعجلة والسرعة، وهذه طبيعة وسائل الإعلام المعاصرة بعامة، وبالأخص في برامجها المباشرة، فتجد مقدِّم البرنامج يكرر مطالبة المستفتين باختصار الأسئلة، مذكرً إياهم بضيق الوقت وكثرة المتصلين، فإذا انضمَّ إلى ذلك قصور المستوى العلمي أو اللغوي لكثير من المستفتين، بحيث يصعب على الواحد منهم التعبير عن مفصل الإشكال في مسألته، كان ذلك أدعى إلى حصول الغلط في السؤال والجواب.

الضابط الرابع: حسن اختيار المفتي:

تخضع عملية اختيار الضيوف في البرامج الإعلامية عمومًا لعدة مؤثرات، سواءٌ أكانت مؤثرات موضوعية مهنية، أو ذات منحنًى شخصي أو نفعي بحت (100)، ولما كانت برامج الفتيا تحتاج إلى فقيهٍ متمرِّسٍ، ذا اطلاعٍ واسعٍ بمجمل أبواب الشريعة، وخبرةٍ كبيرةٍ باختلاف الأحوال والأوضاع التي سوف يفتي بصددها، بالإضافة إلى استعمال الحكمة فيما يتكلم فيه، فيعرف متى يقدم على القول، ومتى يحجم، ومتى يشدد، ومتى ييسر، فإن على القائمين على تلك البرامج استقطاب العلماء الصالحين لهذا الموقع الخطير، استصلاحًا لأحوال الأمة، وارتقاءً بمستوى الوسيلة الإعلامية أيضًا.

الضابط الخامس: التثبت في الفتيا العامة:

هذه ضوابط فرعية يجمعها التثبت والتبين، قبل إصدار الفتيا العامة على الملأ:

أ ـ الاحتياط في النوازل العامة.

ب ـ استشارة أهل العلم.

ج ـ الإفتاء بلفظ النص.

د ـ مراعاة مراتب التحريم.

هـ ـ التفصيل لا التعميم.

أساليب الفتيا

الفتيا الفردية:

تمهيد: مفهوم الفتيا الفردية: هي الفتيا الصادرة من مفتٍ واحد، منسوبةٌ إلى الفرد الواحد من الفقهاء، وتقابلها الفتية الجماعية، وهي تصدر عن جماعة، وسيأتي بيانها في موضعها قريبًا ـ بإذن الله تعالى ـ.

مدى الحاجة إلى الفتيا الفردية في هذا العصر:

لم تزل الفتيا الفردية التي يقوم بها أفراد المفتين، هي الأصل في الإجابة عن سؤالات المستفتين، وإمداد الفقه الإسلامي بالاجتهادات المتنوعة، التي أثْرَت مجاله، وها هي دواوين الإسلام، الحديثية والفقهية؛ شاهدة بما قدمته فتاوى الأفذاذ من علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان على يوم الناس هذا، ولا جرم؛ فإن (هذا اللون من الاجتهاد هو الذي قامَ عليه صرح الفقه ـ غالبًا ـ) (101)،وشُيِّدت على أساسِه مذاهبُ المسلمين الفقهية، وما المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، من حنفيةٍ ومالكية وشافعية وحنبلية، إلا أثرٌ من آثار الاجتهاد الفردي، فقد كانت لَبِناتُه الأولى فتاوى منثورة لأولئك الأئمة، الذين وُسِمَت تلك المذاهب بأسمائهم، إلى أن جاء تلاميذهم فجمعوا تلك الفتاوى وصنفوا، ورتبوها وبوَّبوا، واستدلوا لها وعللوا، وقاسوا عليها وخرَّجوا.

ومع مراعاة جميع ما يذكر محاسن الفتيا الجماعية في هذا العصر (102)، إلا أنه لا ينبغي الغضُّ مقام الفتيا الفردية، ولا التهوين من شأنها، التي هي الأصل في هذا المجال، فضلاً عن أن يُتطلَّب إلغاؤها ومنعها.

ومما يجلِّي أهمية الفتيا الفردية في هذا العصر، ويكشف مدى الحاجة إليها؛ ما يأتي:

أ ـ أن الفتاوى الجماعية لا يمكن تستوعب النوازل المتعاقبة، التي يحتاج الناس فيها إلى جواب شافٍ، فمن المعلوم أن المجامع الفقهية لا تنعقد إلا في دورات متباعدة، وربما حصلت النازلة، ولم يكن انعقاد المجلس المجمعي إلا بعدَ فوات الأوان، ومعلومٌ أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (103).

ب ـ الفتيا الفردية تحظى بعناية خاصة من قبل مُصدِرِها، وذلك أنه يحرص فيها المفتي على (تتبع المسألة الاجتهادية في مختلف مظانها اللغوية والشرعية، مما لم يتهيأ في الغالب في الدراسة الجماعية، أو المجامع الفقهية) (104).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015