الضابط الأول: ألاَّ يوجد البديل النقي من الشوائب:
الأصل في بيان الشريعة أن يكون بيانًا تامًّا ظاهرًا، خاليًا من شوائب اللبس والخلط، كما أن الأصل في وسائل الإعلام المستعملة في ذلك أن تكون نقيةً طاهرةً، بعيدة عن كل ما يُشَوِّش على وظيفتها البيانية، ومما يؤيد هذه الأصول في الشريعة، أنَّ الله تعالى قد أمر بتشييد المساجد لإقامة واجبي: البيان والعبادة، والالتقاء على ذلك في الجُمَع والجماعات، وأمر بتطهيرها وتنزيهها عما قد يُخِلُّ برسالتها، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (125) سورة البقرة،وقال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (26) سورة الحج، فأمر تعالى بتطهير بيته ـ الذي هو محل عبادته وبيان شرعه ـ من الأوثان، والرفث، وقول الزور، والرجس (97).
ولهذا فإن وسائل الإعلام والاتصال المتَّخَذة لنقل الأحكام والفتاوى الشرعية ينبغي أن تكون على قدرٍ من النزاهة والنقاء، وأن تنأى بنفسها عما يخل بهذه الرسالة العظيمة، أو يقدح في وثاقتها لدى الجمهور، فمن غير الجائز أن يظهر المفتي على شاشةِ قناةٍ مخصصةٍ للدعوة إلى الإلحاد أو الكفر أو البدعة، أو قناةٍ تدعو إلى الرذيلة، وتحارب الفضيلة أصالةً.
كما أنه لا يجوز ظهوره في القنوات المختلطة، التي لم تؤسَّس على تقوى من الله ورضوان، بل يختلط فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، فتكون مشاركة المفتي فيها نوعًا من إقرار باطلها، والترويج لرسالتها التضليلية. هذا فضلاً عن كون المشاركة في هذا النوع من القنوات فيضي إلى تكريس مبدأ ضالٍّ هو فصل الدين عن الحياة، لأن القائمين عليها يكتفون بتخصيص مساحةٍ محدودة للبرامج الدينية، بينما تنفصل سائر البرامج عن معايير الدين وضوابطه (98).
هذا من حيث الأصل العام، فيجب أن تكون مشاركة المفتين مقصورةً عن القنوات النزيهة، المؤسسة على الهدى والإصلاح، فليُستَصحب هذا الأصل، ولا يُعدل عنه إلا لضرورةٍ ملجئةٍ، أو مصلحةٍ راجحة، لا تتحقق إلا بالعدول عن ذلك الأصل الأصيل (99).
الضابط الثاني: تحقيق مقصد الشريعة في الفتيا:
ومقصد الشريعة هنا: هو (البيان التام لحكم الله في النازلة، فيما يظهر للمفتي)، فهذا مقصدٌ يجب التحقق منه، والسعي في تقريره، وردُّ ما قد يَكِرُّ عليه بالإبطال، أو الإبهام. هذه هي الغاية؛ التي يجب تطويع هذه التقنية لخدمتها، لفتُجعل هي المقصود الأعظم من عقد برامج الإفتاء في وسائل الإعلام بعامة.
ولهذا المقصد مكمِّلاتٌ عامةٌ وخاصةٌ، فأما العامة فنحو حثِّ المسلمين على الوحدة والاجتماع، ونبذ الفرقة والاختلاف، والتناصر والتعاضد فيما بينهم، وقطع دابر التنازع والتخاصم. وأما الخاصة فنحو توجيه النصح والإرشاد الغافل، والوعظ والزجر للعاصي الظالم لنفسه، والحث والتشجيع للمحسن السابق بالخيرات.
الضابط الثالث: مراعاة أحوال المستفتين:
كان المفتي قديمًا يُخاطب المستفتي وجهًا لوجهٍ بلا واسطة، أو يراسله بنفسه من بُعدٍ، ويتمكن المفتي من مساءلة المستفتي عن ظروفه وحاجاته وضروراته، وربما سمعه الجمعُ من الناس، يقلون أو يكثرون، لكن يبقى الأمر محصورًا في دائرةٍ محدودة، بحيث يسهل على المفتي الإحاطة بالوقائع المستفتى بشأنها. أما اليوم فإن الحال قد اختلفت، وغدا المفتي يُخاطب أممًا وشعوبًا متفاوتة، وصار يُخاطب بصوته وصورتهِ من في مشرق الأرض ومغربها، ولا شك أن هذا مما ينبغي أن يراعيه المفتي في فتياه، لتكون صالحةً للتنزيل على هذه البيئات المختلفة.
¥