الشريعة الإسلامية شريعة تتميز بالوسطية واليسر؛ ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل من أهل الفتيا والاجتهاد أن يكون على الوسط المعتدل بين طرف التشدد والانحلال، كما قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال.

والدليل على صحة هذا أن الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مرّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع؛ ولذلك كان مَنْ خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين ... فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما طرف الانحلال فكذلك أيضًا؛ لأن المستفتي إذا ذُهِبَ به مذهب العنت والحرج بُغِّض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذُهِبَ به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة» (92). ولعل ما ذكرناه من ملامح للمناهج الأخرى المتشددة والمتساهلة كان من أجل أن يتبين لنا من خلالها المنهج المعتدل؛ وذلك أن الأشياء قد تعرف بضدها وتتمايز بنقائضها.

وقد أجاز بعض العلماء للمفتي أن يتشدد في الفتوى على سبيل السياسة لمن هو مقدم على المعاصي متساهل فيها، وأن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو غيره؛ ليكون مآل الفتوى: أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط (93). ولذلك ينبغي للمفتي أن يراعي حالة المستفتي أو واقع النازلة، فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال، لا إفراط فيه نحو التشدد، ولا تفريط فيه نحو التساهل، وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتيا.

وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشدد فيحسنه كل أحد» (94). والظاهر أنه يعني تتبع مقصد الشارع بالأصل الميسور المستند إلى الدليل الشرعي.

ولاشك أن هذا الاتجاه هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع، وخصوصًا في هذا العصر.

فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل، والورع هو العاصم من الحكم بالهوى، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط، وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود، وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح، وهو الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون (95).

وسائل الفتيا المعاصرة

حكم مشاركة المفتي في وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة:

يمكن تقسيم وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة إلى قسمين:

الأول: الوسائل الملتزمة بأحكام الشريعة.

الثاني: الوسائل غير الملتزمة بأحكام الشريعة.

والمقصود بالقسم الأول: تلك الوسائل الإعلامية، من تلفزة وإذاعة وصحافة، مما يُهْدَفُ من ورائه إلى دعوة الناس إلى الإسلام، وبثِّ الوعي الديني بين المسلمين، أو المخصصة لبث البرامج المباحة، التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة غالبًا، وإن فُرضَ وقوعُ الخطأ في بعضِ برامجها لم يقدَح هذا في أصلِ التزامِها، لكونه مغمورًا في بحرٍ من الصواب، ومطلوب الشارع من المكلَّفين السداد والمقاربة، لا العصمة المطلقة، فوقوع هذا النوع من الأخطاء لا أثَرَ له، لابتناء الحكم على الأعمِّ الأغلب، ولا عبرةَ بالشذوذ هنا (96).

وبالقسم الثاني: الوسائل الإعلامية التي يغلب عليها بث البرامج المشتملة على المحرم، كالأغاني المحرمة، وظهور الكاسيات العاريات، والدعوة إلى البدع والشبهات.

ضوابط مشاركة المفتي في وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة:

لابد لمن يتصدى للفتيا في هذه الوسائل الإعلامية من مراعاة الضوابط الشرعية لهذا العمل، وإلا كان ما يقوم به مثار فتنة وخبالٍ بين الناس، لأن حقيقة الفتيا بيان الحق للناس، فإذا لم يكن البيان واضحًا صريحًا، مطابقًا لما جاءت به الشريعة، وخالطته شائبة الجهل أو الهوى، فحينئذٍ يلتبس الحق بالباطل، والهدى بالضلال، وقد قال ـ عز وجل ـ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (71) سورة آل عمران.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015