2 ـ أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة، فهذا متجوز في دينه، وهو آثم من الأول (82).
والملاحظ أن منهج التساهل القائم على تتبع الرخص يفضي إلى اتباع الهوى وانخرام نظام الشريعة، «فإذا عرض العامي نازلته على المفتي، فهو قائل له: أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق، فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت» (83)، أو سأبحث لك عن قولٍ لأهل العلم يصلح لك، وقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «لو أن رجلاً عمل بكل رخصه؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان فاسقًا» (84).
ويروى عن إسماعيل القاضي ـ رحمه الله ـ أنه قال: «دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابًا، فنظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب» (85).
ولعل واقعنا المعاصر يشهد جوانب من تساهل بعض الفقهاء في التلفيق بين المذاهب وتتبع الرخص، كما هو حاصل عند من يضع القوانين والأنظمة، أو يحتج بأسلمة القانون بناءً على هذا النوع من التلفيق، أما حالات الضرورة في الأخذ بهذا المنهج فإنها تقدر بقدرها.
ثالثًا: التحايل الفقهي على أوامر الشرع:
وهو من ملامح مدرسة التساهل والغلو في التيسير، وقد جاء النهي في السنة عن هذا الفعل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (86). وعلى ذلك اتفق أكثر أهل العلم على عدم تجويزه (87). وفي ذلك يقول الإمام القرافي ـ رحمه الله ـ: «لا ينبغي للمفتي ـ إذا كان في المسألة قولان: أحدهما فيه تشديد، والآخر فيه تخفيف ـ أن يفتي العامة بالتشديد، والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف؛ وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى و إجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق، نعوذ بالله من صفات الغافلين» (88).
وقد حكى أبو الوليد الباجي ـ رحمه الله ـ عن أحد أهل زمانه أخبره أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره، وكان غائبًا، فلما حضر قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز (89).
وقد فصَّل الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ القول في الحيل الممنوعة على المفتي، وما هو مشروع له، حيث قال: «لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق وحُرِمَ استفتاؤه، فإن حَسُن قصده في حيلةٍ جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة، لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله نبيه أيوب ـ عليه السلام ـ إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا فيضرب به المرأة ضربةً واحدة، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر، فيخلص من الربا. فأحسن المخارج ما خلّص من المآثم، وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم، والله الموفق للصواب» (90).
وقد وقع كثير من الفقهاء المعاصرين في الإفتاء بجواز كثير من المعاملات المحرمة تحايلاً على أوامر الشرع؛ كصور بيع العينة المعاصرة، ومعاملات الربا المصرفية، أو التحايل على إسقاط الزكاة، أو الإبراء من الديون الواجبة، أو ما يحصل في بعض البلدان من تجويز الأنكحة العرفية تحايلاً على الزنا، أو تحليل المرأة لزوجها بعد مباينته لها بالطلاق، وكل ذلك وغيره من التحايل المذموم في الشرع (91).
الثالث: المنهج الوسطي المعتدل في النظر والإفتاء:
¥