يقول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدد عليهم» (57).

مع العلم بأن مذهب جمهور العلماء عدم إيجاب الالتزام بمذهب معين في كل ما يذهب إليه من قول.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وإذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم» (58).

ولا يختلف الحال والأثر إذا كان التعصب لآراء وأقوال طائفة أو إمام معين لا يُخرَج عن اجتهادهم وافقوا الحق أو خالفوه.

والناظر في أحوال الناس المعاصرة وما أصابها من تغيّر وتطور لم يسبق له مجتمع من قبل مع ما فيه من تشابك وتعقيد، يتأكد لديه أهمية معاودة النظر في كثير من المسائل الفقهية التي بنيت على التعليل بالمناسبة، أو قامت على دليل المصلحة أو العرف السائد؛ كنوازل المعاملات المعاصرة من أنواع البيوع والسلم والضمانات والحوالات وغيرها، أو كنوازل الأزمات والحروب كالتي تمر بالأمة هذه الأوقات، وقد يكون التمسك بنصوص بعض الفقهاء وشروطهم التي ليس فيها نصٌ صريح أو إجماع من التضييق والتشدد الذي ينافي يسر وسماحة الإسلام، وخصوصًا إن احتاج الناس لمثل هذه القضايا أو المعاملات التي قد تدخل في كثير من الأحيان في باب الضرورة أو الحاجة الملحة.

المسألة الثانية: التمسك بظاهر النصوص فقط:

إن تعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلب شرعي لا يصح للمجتهد نظر إذا لم يأخذ بالنصوص ويعمل بها، ولكن الانحراف يحصل بالتمسك بظواهر النصوص فقط دون فقهها ومعرفة مقصد الشرع منها. ومما يدل على وجود هذا الاتجاه ما ذكره الدكتور صالح المزيد بقوله: «وقد ظهر في عصرنا من يقول: يكفي الشخص لكي يجتهد في أمور الشرع أن يقتني مصحفًا، مع سنن أبي داود، وقاموس لغوي» (59).

وهذا النوع من المتطفلين لم يشموا رائحة الفقه فضلاً أن يجتهدوا فيه، وقد سماهم الدكتور القرضاوي بـ (الظاهرية الجدد) ـ مع فارق التشبيه في نظري ـ حيث قال عنهم: «المدرسة النصية الحرفية، وهم الذين أسميهم (الظاهرية الجدد)، وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرسوا الفقه وأصوله، ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال» (60).

وهؤلاء أقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة، ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندًا للتحريم، وحملاً للناس على أشد مجاري التكليف، والله ـ عز وجل ـ قد حذر من ذلك حيث قال سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (116) سورة النحل.

فكم من المعاملات المباحة حرمت، وكثير من أبواب العلم والمعرفة أُوصدت وأُخرج أقوام من الملَّة، زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة، وليس الأمر كذلك عند العلماء الراسخين.

يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أوتحريمه أو إيجابه أو كراهيته ... قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا أو حرّم كذا، فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا، ولم أحرمه» (61).

وهذا التحذير من إصدار أحكام الله تعالى قاطعة في النوازل والواقعات من دون علم راسخ، لا شك أنه يفضي إلى إعنات الناس والتشديد عليهم بما ينافي سماحة الشريعة ورحمتها بالخلق.

وقد وقع في العصور الأخيرة من كفّر المجتمعات والحكومات، حتى جعلوا فعل المعاصي سببًا للخروج عن الإسلام، ومن أولئك القوم: ما قاله ماهر بكري أحد أعضاء التكفير والهجرة: «إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكافر، وتساوي كلمة كافر تمامًا، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آنٍ واحد مسلمًا وكافرًا» (62)!!؟

المسألة الثالثة: الغلو في سد الذرائع والمبالغة في الأخذ بالاحتياط عند كل خلاف:

دلت النصوص الكثيرة على اعتبار سد الذرائع والأخذ به حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقًا للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد. ولله در ابن القيم ـ رحمه الله ـ إذ يقول: «فإذا حرّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا من أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقصًا للتحريم وإغراءً للنفوس به» (63).

ويحدث الإشكال في اعتبار قاعدة سد الذرائع عندما تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنها الفقيه، فيغلق الباب إساءةً للشرع من حيث لا يشعر، كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمرًا، والمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنا، فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم سده؛ لأن مصلحته راجحة، فلا تترك لمفسدة مرجوحة متوهمة (64).

وتتمة البحث على الصفحة القادمة باذن الله

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015