الثاني: اتساع الخلاف في علم الفروع، وتشعب المذاهب في مسائله، حتى إنك لتجد الأقوال المتناقضة، في المسألة الواحدة، في المذهب الواحد، وهذا ما اشتكى منه الإمام الشافعي، واستدعاه إلى تصنيف رسالته الأصولية، وهو ما حرَّك الفقهاء أيضًا إلى استقراء أسباب الخلاف، والبحث في مثاراته، ولأجله ألف أبو الوليد ابن رشد الحفيد كتابه: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد).
على أن معرفة القواعد وحدها لا تكتفي لأن تعمل عملها في ضبط الفتيا، حتى ينضاف إليها الاقتدار على استثمار تلك القواعد، وتنزيل أحكامها على محالِّها، وطريق ذلك الاتساع في مطالعة كتب الفروع، وعرضها على القواعد والضوابط، ومزاحمة أهل الفقه في ذلك، وإلا «فما كلُّ من أحرز الفنون أجرى من قواعدها العيون، ولا كلُّ من عرف القواعد استحضرها عند ورود الحادثة التي يفتقر إلى تطبيقها على الأدلة والشواهد» (53).
مناهج الفتيا المعاصرة
مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة:
برزت في العصر الحاضر مناهج في النظر فيما استجد حدوثه من نوازل وواقعات، وبرز لكل منهج منها علماء ومفتون وجهات تبني اجتهادها في النوازل من خلال رؤية هذه المناهج وطرقها في النظر.
وهذه المناهج المعاصرة في الفتيا والاجتهاد ليست وليدة هذا العصر، بل هي امتداد لوجهات نظر قديمة واجتهادات علماء وأئمة سلكوا هذه المناهج وأسسوا طرقها.
فلن يكون مقصود بحثنا تأريخ هذه المناهج ورموزها إلا بقدر ما يوضح مناهج الفتوى والنظر في عصرنا الحاضر؛ إذ هي الوعاء لكل ما يجدَ وينزل بالناس من أحكام وواقعات معاصرة.
ويمكن إجمال أبرز هذه المناهج المعاصرة في النظر في أحكام النوازل إلى ثلاثة مناهج، هي كالتالي:
الأول: منهج التضييق والتشديد:
من المقرر شرعًا أن هذا الدين بُني على اليسر ورفع الحرج، وأدلة ذلك غير منحصرة، فاستقراء أدلة الشريعة قاضٍ بأن الله ـ عز وجل ـ جعل هذا الدين رحمة للناس، ويسرًا، والرسول صلى الله عليه وسلم أصل بعثته الرأفة والرحمة بالناس ورفع الآصار والأغلال التي كانت واقعة على من قبلنا من الأمم، يقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة. ويقول ـ عز وجل ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (107) سورة الأنبياء.
ويقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا» (54).
ومن أبرز أوصافه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما قاله ربه ـ عز وجل ـ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (157) سورة الأعراف؛ ولذلك كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يترك بعض الأفعال والأوامر خشيه أن يشق على أمته، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (55).
ونظائره من السنة كثير؛ ولذلك كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يأمر أصحابه بالتيسير أيضًا على الناس وعدم حملهم على الشدة والضيق، فقد قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ لما بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا» (56).
إن منهج التضييق والتشدد من الغلو المذموم انتهاجه في أمر الناس، سواءً كان إفتاءً أو تعليمًا أو تربية أو غير ذلك، وقد يهون الأمر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس به، ولكن الأمر يختلف عندما يتجاوز ذلك إلى الأمر به، والإلزام به، ويمكن إبراز بعض ملامح هذا المنهج في أمر الإفتاء بما يلي:
المسألة الأولى: التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد العلماء:
تقوم حقيقة التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض على الحق النهائي ـ في الأمور الاجتهادية ـ الذي لا جدال ولا مراء فيه، فيؤدي إلى انغلاقٍ في النظر، وحسن ظنٍ بالنفس، وتشنيع على المخالف والمنافس، مما يولد منهجًا متشددًا يتَّبعه الفقيه أو المفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر، وحرمة غيره من الآراء و المذاهب؛ مما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذاك المذهب دون غيره من الآراء و المذاهب الراجحة.
¥