ـ[ناصر الدعوة]ــــــــ[11 - Feb-2010, مساء 05:53]ـ
الثاني: منهج المبالغة في التساهل والتيسير:
ظهر ضمن مناهج النظر في النوازل المعاصرة منهج المبالغة والغلو في التساهل والتيسير، وتعتبر هذه المدرسة في النظر والفتوى ذات انتشار واسع على المستوى الفردي والمؤسسي، خصوصًا أن طبيعة عصرنا الحاضر قد طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغير، والنفعية على الأخلاق، وكثرت فيه المغويات بالشر والعوائق عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال تحاول إبعاده عن دينه وعقيدته، ولا يجد مَنْ يعينه، بل ربما يجد من يعوقه.
وأمام هذا الواقع دعا الكثير من الفقهاء إلى التيسير ما استطاعوا في الفتوى، والأخذ بالترخص في إجابة المستفتين، ترغيبًا لهم وتثبيتًا لهم على الطريق القويم (65).
ولاشك أن هذه دعوى مباركة قائمة على مقصد شرعي عظيم من مقاصد الشريعة العليا، وهو رفع الحرج وجلب النفع للمسلم، ودرء الضرر عنه في الدارين، ولكن الواقع المعاصر لأصحاب هذا التوجه يشهد أن هناك بعض التجاوزات في اعتبار التيسير والأخذ بالترخص، وربما وقع أحدهم في رد بعض النصوص وتأويلها بما لا تحتمل وجهًا في اللغة أو في الشرع.
وضغط الواقع ونفرة الناس عن الدين لا يسوّغ التضحية بالثوابت والمسلمات، أو التنازل عن الأصول والقطعيات، مهما بلغت المجتمعات من تغير وتطور؛ فإن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان.
يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ في ذلك: «فعموم الشريعة لسائر البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان، ولم يبينوا كيفية هذه الصلوحية، وهي عندي تحتمل أن تتصور بكيفيتين:
الكيفية الأولى: أن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال، بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر.
الكيفية الثانية: أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر، كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجًا ولا عسرًا في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة» (66).
فمن الخطأ والخطر تبرير الواقع والمبالغة في فقه التيسير بالأخذ بأي قولٍ والعمل بأي اجتهادٍ، دون اعتبار الحجة والدليل مقصدًا مُهِّمًا في النظر والاجتهاد.
ولعل من الدوافع لهذا الاتجاه الاجتهادي أن أصحاب هذه المدرسة يريدون إضفاء الشرعية على هذا الواقع، بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء. وقد يكون مهمتهم تبرير أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة.
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصًا مقتنعًا لا يبتغي زلفى إلى أحد، ولا مكافأة من ذي سلطان، ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومسلماته.
ومنهم من يفعل ذلك رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو مَن وراءهم من الذين يحركون الأزرار من وراء الستار، أو حبًا للظهور والشهرة على طريقة خالف تعرف، إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو الخوف والطمع التي تحرك كثيرًا من البشر، وإن حملوا ألقاب أهل العلم، وألبسوا لبوس أهل الدين.
ولا يخفى على أحد ما لهذا التيار الاجتهادي من آثار سيئة على الدين، وحتى على تلك المجتمعات التي هم فيها، فهم قد أزالوا من خلال بعض الفتاوى الفوارق بين المجتمعات المسلمة والكافرة، بحجة مراعاة التغير في الأحوال والظروف عما كانت عليه في القرون الأولى (67).
ويمكن أن نبرز أهم ملامح هذا الاتجاه فيما يلي:
أولاً: الإفراط بالعمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص:
إن المصلحة المعتبرة شرعًا ليست بذاتها دليلاً مستقلاً بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس، فيستحيل عقلاً أن تخالف المصلحة مدلولها أو تعارضه، وقد أُثبتت حجية المصلحة عن طريق النصوص الجزئية، فيكون ذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه، وهذا باطل (68).
¥