لا خلاف في أهمية القواعد الأصولية في تكوين الفقيه المعتبر، كما لا إشكال في أن تلك القواعد لا تصنع لدارسها ملكة فقيهة ناجزةً، حتى يترقى في مدارجها ـ بالدربة والمراس ـ شيئًا فشيئًا، وحتى يُلقِح مطالعته للفروع. بما انبنت عليه تلك الفروع من الأصول، فتجتمع له أسباب الفقه بالإشراف على الأصول والفروع، ويتهدَّى إلى تخريج هذه على تلك، وبذا يخرج من دائرة التقليد والتبعية وحكاية الأقوال إلى أُولى درجات الاجتهاد، ثم هؤلاء بعدُ على درجات.

وهذا ما كان يرويه الإمام أبو حنيفة حين قال: (لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا) (42) اهـ. وعبارة بعض أصحابه: (من حفظ الأقاويل ولم يعرف الحجج؛ فلا يحل له أن يفتي فيما اختلف فيه) (43) اهـ.

ثانيًا: الخلل التأصيلي في الفتيا المعاصرة:

بالتأمل في حركة الإفتاء المعاصرة نلحظ ما تعانيه الفتيا من افتقار إلى التأصيل الصحيح، الذي يرشِّدها إلى جادَّة الصواب، وينأى بها عن موارد الخطل والاضطراب، ومظاهر هذا الخلل متعدِّدة، تحدَّث عنها غير واحدٍ من أهل العلم، وقد رصدَ هذا البحث عددًا منها، وهي مبحوثةٌ في أثناء مسائله، بيد أن من أهم المظاهر التي تتعلق بمشاكل التأصيل في الفتيا المعاصرة، مما يكشف خللاً في التكوين والنظر؛ مظهرين لا يخفيان على متابعٍ: هما التناقض والتلفيق، وهما موضوع الحديث في الفقرتين التاليتين:

أ ـ تناقض الفتاوى المعاصرة سببه خللٌ تأصيلي:

المراد بالتناقض هنا أن يقع التعارض في الفتاوى، من أوجهٍ لا يمكن الجمع بينها، بحيث ينقض بعضها بعضًا. وسواء أكان هذا التناقض في الفتيا الواحدة، ينقض آخرها أَوَّلها، أو وقع بين اثنين فأكثر.

والتناقض ربما كان أمارةً على ضعف التكوين العلمي، فإن غير المتأصل كثيرًا ما ينقض بعض كلامه بعضًا، وتهدم أعجاز فتاويه صدورها.

ب ـ التلفيق بين الأقوال مخالفٌ للأصول:

أريد بالتلفيق ها هنا معنًا خاصًا، وهو أنه حين يُسأل المفتي عن مسألة يعمد إلى البحث في أقوال الفقهاء، وينتقي منها ما يناسبه، لا على ما تقتضيه الأدلة والقواعد الأصولية الفقهية؛ بل على أساس الأيسر والأسهل، حتى إذا ما تأمَّلتَ فتاوى هؤلاء ألفيتها خليطًا من أيشر المذاهب والاقوال، فهذا نوع تلفيق يضادُّ الشريعة ويحادُّ أدلتها.

القواعد الفقهية:

المسألة الأولى: تعريف القواعد الفقهية:

وقد عرفها الشيخ مصطفى الزرقا بأنها: أصولٌ فقهيةٌ كليةٌ، في نصوص موجزة دستورية، تتضمن أحكامًا تشريعية عامة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها (44).

المسألة الثانية: أهمية القواعد الفقهية بالنسبة إلى الفتيا:

صناعة التقعيد الفقهي فنٌّ جليلٌ من فنون العلم، اقتضاه ـ فيما يظهر ـ أمران:

الأول: تشعب مسائل الفقه، وتناثر تطبيقاته، ولو تُركت تلك المسائل على سجيتها؛ لأفضى بالمتفقهين إلى حرجٍ شديدٍ، ولتفلَّتت عليهم شواردها (45)، لكونها ذات طبيعة تراكمية، وبذا يستغلق على المفتين والحكام تحصيل أحكام المسائل المتجددة، أو يكاد، ولأصبح اسم الفقيه يطلق مجازًا، لا حقيقة له، ضرورةَ ارتباط الفقه بتعرف المعاني والعلل، والتصرف فيها، وقد فسر ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ قوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (269) سورة البقرة. بأنه الفقه في القرآن (46)، وعن مجاهد قال: ليست بالنبوة، ولكنه القرآن والعلم والفقه (47)، وعن أبي العالية: الكتاب والفهم فيه (48)، وروي عن الإمام مالك أنه قال: (وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله) (49)، ولهذا قال ابن كثير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} (12) سورة لقمان، (أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا، ولم يوحَ إليه) (50)، ومصداق هذه التفسيرات (51)، ما رواه حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية ? خطيبًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (52).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015