معلومٌ أن جلَّ الفقه مدلولٌ عليه بنصوص الكتاب والسنة، حيث جاءت أدلتهما نصوصًا عامةً جامعةً، لتستوعب ما لا يحصره العدُّ من الوقائع (33)، إذ من غير الممكن أن يُنصَّ على كل شيءٍ باسمه الخاص، ومن اشترط ذلك عُدَّ من جملة الجهلة بدين الله، قال أبو العباس ابن تيمية في معرض كلامه عن الحشيشة: «وأما قول القائل: إن هذه ما فيها آيةٌ ولا حديث، فهذا من جهله، فإن القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة، هي قواعد عامة، وقضايا كلية، تتناول كلما دخل فيها، وكلما دخل فيها فهو مذكورٌ في القرآن والحديث باسمه العام، وإلا فلا يمكن ذكر كل شيءٍ باسمه الخاص» (34).
ثانيًا: ضبط مشارع الخلاف في الفتيا:
الشريعة حقٌّ كلها، والحق لا يتعدد، وإنما نشأ الخلاف جرَّاءَ أسبابٍ بشريةٍ، اقتضت هذا التباين والتخالف في مسائل الفقه، وإذا كان الخلافُ الناجمُ عن اجتهادٍ مستوفٍ لشرائطه؛ مقبولاً شرعًا؛ فإنه ينبغي أن يضبط هذا القول بما يعصم عن الوقوع في التشرذم الفقهي، واضطراب الأقاويل في مسائل العلم؛ بسبب الأنظار الشاطحة عن جادة الراسخين، ويعظم الخطب ويعظم الخطب في هذا إذا كانت المسألة مفترضةً فيما يتعلق بشؤون الأمة عامةً، مما يختصُّ بالنظر فيه من كان أدخلَ في علوم الاجتهاد، وأفقه بمآخذ السياسة الشرعية.
ثالثًا: العصمة من الزلل في الفتيا:
إن التعرف على مقاصد الشريعة، ورعاية المجتهد لها في تصرفه باجتهاده، فتيًا وحكمًا؛ لَمِن العواصم التي تحميه من الجنوح إلى الخطأ والزلل، وهذا ما يؤكِّد عليه الشاطبي في مواضع من كتبه، بل إنه يقرر أن الفقيه المجتهد، وإن كان عالمًا بالمقاصد، فإنه إذا غفل عنها زلَّ في اجتهاده، وزلًّة العالم ـ كما يقول الشاطبي ـ: «أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه» (35).
ضوابط إعمال مقاصد الشريعة في الفتيا المعاصرة:
المسألة الأولى: ضابط تحقيق القصدية.
المسألة الثانية: ضابط الموازنة بين المقاصد والأدلة الأخرى.
المسألة الثالثة: ضابط مراعاة مراتب المقاصد.
القواعد والضوابط الأصولية والفقهية:
القواعد الأصولية:
تعريف القواعد الأصولية:
أولاً: في اللغة: جمع قاعدة، وهي أساس الشيء (36)، سواءٌ أكان ذلك الشيء حسيًا، أم معنويًا، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة،وقواعد البيت إما أن يُراد بها: أسُسُه (37)، وإما أن يُراد بها: جُدُرُه (38).
أهمية القواعد الأصولية:
تظهر أهمية القواعد الأصولية من جهة كونِ معرفتها شرطًا لصحة الفتيا، ذلك أنها العَمَد التي تتأسس عليها الأحكام، قال أبو المعالي الجويني: «المفتي من يستقل بمعرفة أحكام الشريعة نصًا واستنباطًا، فقولهم: نصًا يشير إلى معرفة اللغة والتفسير والحديث، وقولهم استنباطًا: يشير إلى معرفة الأصول والأقيسة وطرقها وفقه النفس» (39).
وعندما ذكر ابنُ القيم شروط الفتيا؛ حكَى عن بعض الأئمة ـ كالشافعي وأحمد ـ اشتراطهم معرفة الأصول (40).
فالشافعي لا يُحلُّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله، إلا رجلاً عارفًا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج غليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحةٌ بعد هذا، فإن كان هكذا «فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي» (41).
القواعد الأصولية في الفتيا المعاصرة:
أولاً: خطورة التصدي للفتية من غير المتأصلين:
¥