ويقول الحافظ ابن القيم: «ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان» (21).
يوضح ذلك: أن هناك أوصافًا ربط الشارع الحكم بها، وبني عليها أمور الناس فالعدالة ـ مثلاً ـ شرط في قبول الشهادة بنص كتاب الله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (2) سورة الطلاق، وحينما نراجع كلام أهل العلم وتعريفاتهم للعدالة وأوصاف أصحابها نلاحظ أنهم يربطونها بمألوف الناس، ودلائل التعقل والمروءة، وهذا حق لا مرية فيه.
ومن المعلوم أن هذا شيء متغير، فما يكون مألوفًا في بلد أو دلالة مروءة فيه قد لا يكون في البلد الآخر، وكذلك عند اختلاف الزمن.
الأسس العامة للفتيا
مقاصد الشريعة:
تعريف مقاصد الشريعة لغة:
المقاصد: من القَصْد، ويطلق على معانٍ، أهمها ثلاثة:
أ ـ استقامة الطريق: يقال: قصَدَ يقصِدُ، فهو قاصد (22)، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ} (9) سورة النحل.
ب ـ التوسط في الأمور، والاعتدال فيها: ومنه حديث: «القصد القصد تبلغوا» (23).
ج ـ إتيان الشيء: تقول: قصدتُه، وقصدتُ له، وقصدتُ إليه؛ بمعنىً (24).
تعريف مقاصد الشريعة اصطلاحًا:
عرَّف الطاهر بن عاشور مقاصد الشريعة بقوله: (هي المعاني والحكم الملحوظة للشارح، في جميع أحوال التشريع، أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة) (25). فيدخل في هذا التعريف: أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل فيه أيضًا: معانٍ من الحِكم ليست ملحوظةً في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرةٍ منها (26).
مراتب مقاصد الشريعة:
تنقسم مقاصد الشريعة بحسب درجة الحاجة إليها إلى ثلاث مراتب، أوردها فيما يأتي مختصرة، فقد بسطَ الكلام فيها جمعٌ من المعاصرين (27).
المرتبة الأولى: المقاصد الضرورية: وهي الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدارين، بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوت حياة.
المرتبة الثانية: المقاصد الحاجية: وهي ما يفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُرعَ دخل على المكلفين حرجٌ ومشقةٌ في الجملة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح الضرورية (28).
المرتبة الثالثة: المقاصد التحسينية: وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. قال الشاطبي: (وهي جاريةٌ فيما جَرَتْ فيه الأُولَيَان) (29) اهـ.
أثر مقاصد الشريعة في الفتيا المعاصرة:
المسألة الأولى: شرط الفتيا فهمُ المقاصد:
اشترط غير واحدٍ من الأصوليين أن يتوفّر المفتي على (فهمِ مقاصد الشريعة على كمالها) (30)، فبعضهم ينص على هذا الشرط صراحةً، وآخرون يومئون إليه إيماءً، فقد صرّح أبو إسحاق الشاطبي بذلك، معللاً بأنَّ الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتُبرت من حيث وَضَعَها الشارعُ كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذا المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، وأنَّه قد استقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الإنسان مبلغًا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألةٍ من مسائل الشريعة، وفي كل باب أبوابها؛ (فقد حصل له وصفٌ هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله) (31).
ثم ألحق الشاطبي بهذا الشرط شرطًا آخر لا ينفكُّ عنه، وهو: (التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها) (32)، أي في المقاصد.
المسألة الثانية: أثر المقاصد في تصرف المفتي بالاجتهاد:
أولاً: إمداد المفتي بالفتيا فيما لا يجد فيه نصًا:
¥