عرفه ابن رشد المالكي فقال: «إنه طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع، لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع».
وعرفه أبو الحسن الكرخي الحنفي حيث قال: «هو العدول عن الحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول».
فالاستحسان نوع من الترجيح بين الأدلة، وحقيقته كما يلاحظ، وكما يصرح به كثير من الأصوليين أنه أخذ بأقوى الدليلين.
3 ـ سد الذرائع والاحتياط:
سد الذرائع يعني أن ما كان ذريعة أو وسيلة إلى شيء يأخذ حكمه، فما كان وسيلة إلى الحرام يحرم، وإن كان في أصله حلالاً، ومعنى هذا الأمر الجائز في الأصل يمنع منه في الحالات التي يؤدي فيها إلى مالا يجوز. فعقد البيع حلال مشروع في أصله لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (275) سورة البقرة. ولكن قاعدة سد الذرائع تقتضي بطلان هذا البيع إذا قصد به المحرم، أو كان الباعث الدافع إليه غير مشروع، كما في بيع السلاح لمن يقتل مسلمًا، أو لأهل الحرب، وبيع العنب لمن يتخذه خمرًا.
أما الاحتياط: «فهو احتراز المكلف عن الوقوع فيما يشك فيه من حرام أو مكروه».
مجال الأخذ بالاحتياط: والمكلف يأخذ بالاحتياط في مجالين:
الأول: تحقق الشبهة.
الثاني: حصول الشك في الحكم الشرعي.
4 ـ عموم البلوى:
يظهر عموم البلوى في موضعين:
الأول: ما تمس الحاجة في عموم الأحوال، بحيث يعسر الاستغناء عنه إلا بمشقة زائدة.
الثاني: شيوع الوقوع والتلبس، بحيث يعسر على المكلف الاحتراز عنه أو الانفكاك منه إلا بمشقة زائدة.
ففي الموضع الأول ابتلاء بمسيس الحاجة، وفي الثاني ابتلاء بمشقة الدفع.
الضابط في عموم البلوى:
يرجع النظر في عموم البلوى إلى ضابطين رئيسين:
الأول: الضابط في نزارة الشيء وقلته:
أي: أن مشقة الاحتراز من الشيء وعموم الابتلاء به قد يكون نابعًا من قلته ونزارته، ومن أجل هذا عفي عن يسير النجاسات، وعن أثر الاستجمار في محله، عما لا يدركه الطرف، وما لا نفس له سائلة ونيم الذباب (ما يخرج من فضلاته)، وما ترشش من الشوارع مما لا يمكن الاحتراز عنه، وما ينقله الذباب من العذرة وأنواع النجاسات.
الثاني: كثرة الشيء وشيوعه وانتشاره:
كما أن عموم الابتلاء ومشقة التحرز قد تكون نابعة من تفاهة الشيء ونزارته، كذلك قد يكون الأمر لكثرته وشيوعه فيشق الاحتراز عنه ويعم البلاء به.
وقد نبه الغزالي إلى أن الغلبة التي تصلح عذرًا في الأحكام ليس المراد بها الغلبة المطلقة، وإنما يكفي أن يكون الاحتراز أو الاستغناء عنه فيه مشقة وصعوبة نظرًا لاشتباهه بغيره من الحلال والمباح واختلاطه به وامتزاجه معه بحيث يصعب الانفكاك عنه، كما هو ظاهر في بعض صور النجاسات والمستقذرات واختلاط الأموال.
5 ـ العُرْفُ:
ويراد به: «ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول».
فهو شامل لما عرفته النفوس وألفته، سواء كان قولاً أو فعلاً، ولم ينكره أصحاب الذوق السليم. ويحصل الاستقرار في النفوس والقبول للطباع بالاستعمال المتكرر الصادر عن الميل والرغبة.
ويخرج من ذلك العرف الفاسد، وهو ما استقر لا من جهة العقول كتعاطي المسكرات، وأنواع الفجور التي تستقر من جهة الأهواء والشهوات، كما يخرج ما لم تتلقه الطباع السليمة بالقبول كالكشف عن العورات، وعدم الاحتشام، والألفاظ المستقبحة.
ويحسن الوقوف هنا حول مسألة تغير الأحكام بتغير العادات والأعراف:
يقول الإمام القرافي: «إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا أبطلت ... وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وافته به، دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين» (20).
¥