ومن الأمثلة على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقتل رأس المنافقين، مع ما فيه من المصلحة الظاهرة التي يدل عليها النظر الخاص، وذلك مراعاة للمصلحة العليا.
والمراد بالمصلحة العليا في الشريعة: المحافظة على الكليات الخمس: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال).
ثم إن تنزيل الأحكام على النوازل أمر يحتاج إلى فقه دقيق ونظر عميق، وقد أشار السبكي (18) إلى الفرق بين الفقيه المطلق، وهو الذي يصنِّف ويدرِّس، وبين الفقيه المفتي، وهو الذي يُنزِّل الأحكام الفقهية على أحوال الناس والواقعات، وذكر أن الفقيه المفتي أعلى مرتبة من الفقيه المطلق، وأنه يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدائه.
وإذا عُلم أن تطبيق الحكم على النازلة لابد فيه من المحافظة على مقاصد الشريعة؛ فإن هذه المحافظة تكون بمراعاة ثلاث قواعد:
الأولى: الموازنة بين المصالح والمفاسد في الحال والمال.
الثانية: تقدير حالات الاضطرار وعموم البلوى.
الثالثة: اعتبار الأعراف والعادات واختلاف الأحوال والظروف والمكان والزمان.
المدرك الرابع: التوقف:
يمكن أن نضيف مدركًا رابعًا، وهو التوقف في الحكم على النازلة. وإنما يُصار إليه عند العجز عن تصور الواقعة تصورًا تامًا، أو عند عدم القدرة على تكييفها من الناحية الفقهية، أو عند تكافؤ الأدلة وعدم القدرة على ترجيح قول من الأقوال.
قال ابن عبد البر: «ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه، لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل، وهذا الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا، فتدبره» (19).
مصادر الفتيا
مصادر التشريع الأساسية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم بعدها مصادر توصف بالمصادر التبعية، أي أنها مبنية على هذه المصادر ومنبثقة منها وفي إطارها لا تعدوها ولا تخرج عنها.
• من أبرز هذه المصادر التبعية وما يتعلق بها:
المصلحة المرسلة، والعرف، والاستحسان، والاحتياط، وسد الذرائع، وقاعدة الضرر والضرورات، وعموم البلوى، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والمقام ليس مقام بسط للحديث عن هذه المصادر كلها.
• وفي مدخل هذا الموضوع يقال:
إن هذه المصادر من العرف، والاستحسان، والمصلحة هي المحك الدقيق والمرتقى الصعب في النظر فيما بسطه علماء الأصول والقواعد ـ رحمهم الله ـ حينما بحثوا في أعراف الناس وحاجاتهم وضروراتهم، وأثر المتغيرات والأحداث على استمساكهم بدينهم، وانتظام أمور معايشهم، فكان ذلك معتركًا دقيقًا يجب التثبت فيه على ما سوف يتبين إن شاء الله.
وسوف يقتصر الكلام على المصادر التالية:
(المصلحة المرسلة، الاستحسان، سد الذرائع والاحتياط، عموم البلوى، العرف).
1 ـ المصلحة المرسلة:
هي المصلحة التي شهد الشرع لجنسها، بمعنى أنها تدخل تحت أصل شهدت له النصوص في الجملة. وليست هي المصلحة الغريبة التي لم تشهد النصوص لنوعها حتى تكون قياسًا، ولا لجنسها حتى تكون استدلالاً مرسلاً، فهذه الأخيرة ليست حجة عند أحد من الأئمة، والغزالي الشافعي، والشاطبي المالكي يحكيان إجماع أهل العلم على رد المصالح الغريبة، ويُدخلانها في باب الاستحسان الذي رده الشافعي ـ رحمه الله ـ وشدد النكير على القائلين به، وهو غير الاستحسان الذي روي عن مالك وأبي حنيفة ـ رحمهما الله ـ الأخذ به، فهذا الأخير استدلال بنص، أو إجماع، أو عرف، أو مصلحة في مقابلة عموم أو قياس. وهو الذي ستأتي الإشارة إليه.
غير أن الأخذ بالمصلحة المرسلة لابد فيه من أمور:
الأول: أن تكون معقولة بحيث تجري على الأوصاف المناسبة التي إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول.
الثاني: أن يكون الأخذ بها راجعًا إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين؛ بحيث لو لم يأخذ بالمصلحة المعقولة في موضعها لكان الناس في حرج شديد.
الثالث: الملاءمة بين المصلحة التي تعد أصلاً قائمًا بذاته وبين مقاصد الشارع، فلا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارض دليلاً من أدلته، بل تكون منسجمة مع المصالح التي يقصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها ليست غريبة عنها.
2 ـ الاستحسان:
¥