يمكن تعريف التكييف بأنه: تصنيف المسألة تحت ما يناسبها من النظر الفقهي, أو يقال: هو رد المسألة إلى أصل من الأصول الشرعية.

وتكييف النازلة متوقف على تحصيل أمرين:

أمر خاص يتعلق بخصوص النازلة، وأمر عام.

أما الأمر الأول: فهو أن يحصل للناظر الفهم الصحيح والتصور التام للمسألة النازلة. وهذا ما مضى بيانه في المدرك السابق.

والأمر الثاني: وهو أن يكون لدى الناظر المعرفة التامة بأحكام الشريعة وقواعدها، وهذا إنما يتأتى لمن استجمع شروط الاجتهاد، من الإحاطة بالنصوص ومعرفة مواقع الاجتماع والاختلاف، والعلم بدلالات الألفاظ وطرق الاستنباط، بحيث تكون لديه القدرة على استنباط الأحكام من مظانها.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «وَلا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلا الْحَاكِمُ من الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلا بِنَوْعَيْنِ من الْفَهْمِ:

أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ، وَالْفِقْهِ فيه، وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ ما وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالأَمَارَاتِ وَالْعَلامَاتِ؛ حتى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ في الْوَاقِعِ، وهو فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الذي حَكَمَ بِهِ في كِتَابِهِ، أو على لِسَانِ رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الْوَاقِعِ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدُهُمَا على الآخَرِ.

فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ، وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في ذلك لم يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أو أَجْرًا.

فَالْعَالِمُ من يَتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فيه إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (14).

وتكييف النازلة , إنما يحصل بواحد من أربعة مسالك على الترتيب الآتي:

1 ـ النص والإجماع.

2 ـ التخريج على نازلة متقدمة.

3 ـ التخريج على قاعدة فقهية أو أصل شرعي أو فتوى إمام متقدم.

4 ـ الاستنباط.

المسلك الأول: البحث عن حكم النازلة في نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

وذلك إما بدلالة العموم، أو المفهوم، أو الإيماء، أو الإشارة , أو القياس.

المسلك الثاني: الاجتهاد في إلحاق هذه النازلة بما يشابهها من النوازل المتقدمة؛ لتقاس عليها، وتأخذ حكمها، وهذا ما يسمى بالتخريج (15).

ومن الأمثلة على ذلك:

• ما يسمى بالبوفيه المفتوح أو الإطعام حتى الإشباع؛ إذ يمكن إلحاقه بالحمامات التي وقع الإجماع على جوازها من باب الاستحسان؛ فإن من يدخل هذه الحمامات يتفاوتون في استهلاك الماء، مع كون الأجرة مقدرة للجميع.

المسلك الثالث: النظر في اندراج حكم هذه النازلة تحت بعض القواعد الفقهية أو الأصول الشرعية، أو ضمن فتاوى بعض الأئمة المتقدمين، وهذا يسمى أيضًا بالتخريج (16).

ومن الأمثلة على ذلك:

• مشروعية السعي فوق سطح المسعى، عملاً بالقاعدة الفقهية: الهواء يأخذ حكم القرار.

• تحريم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضي الله عنهم؛ لأن مقامهم مقام عظيم عند الله وعند المسلمين، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.

المسلك الرابع: الاجتهاد في استخراج حكم مناسب لهذه النازلة بطريق الاستصلاح أو سد الذرائع أو غيرهما، وهذا يسمى بالاستنباط (17).

ومن الأمثلة على ذلك:

• الحكم بجواز زراعة الأعضاء؛ طلبًا لمصلحة المريض المستفيد، وحفظًا لحياته، والحكم بمنعها حفظًا لحق المريض المتبرع أو من في حكمه، وصيانة لحرمته.

• القول بمشروعية الفحص الطبي قبل الزواج ندبًا أو وجوبًا؛ لما يترتب عليه من درء لمفسدة انتشار بعض الأمراض الوراثية في الأولاد.

المدرك الثالث: التطبيق:

تطبيق الحكم على النازلة يُراد به: تنزيل الحكم الشرعي على المسائل النازلة.

ذلك أن تصور النازلة وفهمها فهمًا صحيحًا، ثم تكييفها من الناحية الفقهية، كفيلان بمعرفة حكم النازلة المناسب لها، وهذا هو النظر الجزئي الخاص، أما تنزيل هذا الحكم على النازلة فهو أمر آخر؛ إذ يحتاج ذلك إلى نظر كلي عام. ومن القواعد المقررة شرعًا وعقلاً وعرفًا في تطبيق الأحكام الخاصة على محالّها: أن ينسجم هذا التطبيق مع المصالح العليا؛ بحيث لا يفضي تحصيل المصلحة الجزئية إلى تفويت مصلحة عظمى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015