نوازل نسبية: وهي التي سبق وقوعها من قبل، لكنها تطورت من جهة أسبابها والواقع المحيط بها، وتجددت في بعض هيئاتها وأحوالها، حتى صارت بهذا النظر كأنها نازلة جديدة، مثل بيوع التقسيط، والعمليات الطبية الجراحية، والزواج بنية الطلاق.

وهذا القسم من النوازل ـ على وجه الخصوص ـ يفتقر ولابد إلى تحديث مستمر وتجديد لما يتعلق به من صفات وهيئات.

حكم الفتوى في النوازل وأهميته

حكم الفتوى في النوازل:

الاجتهاد في النوازل واجب على هذه الأمة، فهو من فروض الكفاية، وربما يتعين هذا الواجب على بعض المتهيئين للنظر في بعض النوازل؛ فيصير النظر في نازلة ما واجبًا عينيًا في حق هؤلاء (11).

وقد ذكر أبو عمر عن جمهور أهل العلم أنهم كانوا يكرهون استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل، وتفريع الكلام عليها قبل أن تقع، وعدُّوا ذلك اشتغالاً بما لا ينفع (12).

وقد ورد في ذلك ما أخرجه الدارمي في سننه (13) عن وهب بن عمير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لا تعجلوها قبل نزولها لا ينفك المسلمون وفيهم إذا هي نزلت من إذا قال وُفِّق وسُدِّد، وإنكم أن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتُأخذوا هكذا وهكذا، وأشار بين يديه وعلى يمينه وعن شماله».

لذلك كان من شروط المسألة المجتهد فيها أن تكون من المسائل النازلة بالمسلمين، أما المسائل غير الواقعة فقد يره الاجتهاد وقد يحرم.

ولا يجب النظر في تلك المسائل التي تخص الكفار وحدهم؛ كمسألة بنوك المني.

أهمية الفتوى في النوازل:

تظهر أهمية الاجتهاد في النوازل المعاصرة في النقاط التالية:

1 ـ بيان صلاح هذه الشريعة لكل مكان وزمان: وأنها هي الشريعة الخالدة الباقية، وأنها الكفيلة بتقديم الحلول الناجعة لكل المشكلات والمعضلات.

2 ـ إيقاظ هذه الأمة والتنبيه على خطورة قضايا ومسائل ابتُلي بها جموع المسلمين، مع كونها مخالفة أشد ما تكون المخالفة لقواعد هذا الدين، ومضادة لمقاصده، وقد صارت ـ لشديد الحزن والأسى ـ جزءًا لا يتجزأ من حياة الأمة الإسلامية، وباتت حقائقها الشرعية غائبة عن عامة المسلمين في هذا العصر.

3 ـ وبإعطاء هذه النوازل أحكامها الشرعية المناسبة لها مطالبة جادة ودعوة صريحة إلى تحكيم الشريعة في جميع جوانب الحياة، وهو تطبيق عملي تبرز به محاسن الإسلام، ويظهر منه سموه وتشريعاته.

4 ـ والحاجة قائمة إلى ضرورة إيجاد معلمة متكاملة تستوعب قضايا العصر ومسائله المستجدة على هدي الشريعة الإسلامية.

5 ـ ولا شك أن إعطاء النوازل المستجدة في كل عصر أحكامها الشرعية المناسبة يدخل دخولاً أوليًا تحت مهمة التجديد لهذا الدين، وإحياء ما اندرس من معالمه.

مدارك الحكم على النوازل

الناظر في نازلة من النوازل متى أراد دراستها والتوصل إلى حكمها كان عليه أن يسلك المنهج الآتي: التصور، ثم التكييف، ثم التطبيق.

قال ابن سعدي: «جميع المسائل التي تحدث في كل وقت، وسواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تتصور قبل كل شيء.

فإذا عُرفت حقيقتها، وشُخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورًا تامًا بذاتها ومقدماتها ونتائجها طُبقت على نصوص الشرع وأصوله الكليه؛ فإن الشرع يحل جميع المشكلات: مشكلات الجماعات والأفراد، ويحل المسائل الكلية والجزئية؛ يحلها حلاً مرضيًا للعقول الصحيحة، والفطر السليمة.

المدرك الأول: التصور:

إن تصور الشيء تصورًا صحيحًا أمر لا بدّ منه لمن أراد أن يحكم عليه، وكما يقال: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فتصور النازلة مقدمة لا مناص عنها ولا مفر منها لمن أراد الاجتهاد في استخراج حكمها.

إن الإقدام على الحكم في النوازل دون تصورها يعد قاصمة من القواصم، وهذا باب واضح لا إشكال فيه، والباب الذي يأتي من جهته الخلل والزلل إنما هو القصور والتقصير في فهم النازلة وتصورها، وليس في تحصيل أصل التصور.

وتصور النازلة وفهمها فهمًا صحيحًا قد يتطلب:

• استقراء نظريًا وعلميًا.

• وقد يفتقر إلى إجراء استبانة، أو جولة ميدانية، أو مقابلات شخصية.

• وربما احتاج الأمر إلى معايشة ومعاشرة.

• وربما كان سؤال أهل الشأن والاختصاص كافيًا؛ كمراجعة أهل الطب في النوازل الطبية، وأصحاب التجارة والأموال في والمعاملات المالية وهكذا.

المدرك الثاني: التكييف:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015