فقد اختلف العلماء في ضرورة استناد الإجماع إلى دليل على قولين:

القول الأول: أنّ الأمّة لا تجتمع على الحُكْم إلاّ عن مأْخَذ ومستندٍ يُوجب اجتماعَها. وهذا القول منسوبٌ إلى الجمهور ([4] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn4)) .

القول الثاني: لا يُشْتَرط في الإجماع أن يكون له مستنَد، فيجوز انعقاده عن غير مستند، وذلك بأن يوفِّق الله الأمة لاختيار الصَّواب من غير أن يكون لهم مستند أصلاً، وأيّ شيء أفتوا به كان حقاًّ، وأنّ الله جعل لهم ذلك، وأنهم ينطقون بالصَّوَاب، ولا يُجْرِي الله على لسانهم إلا ذلك.

وقد ورد أنّ «ما رآه المسلمون حَسَناً فهو عند الله حسن» ([5] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn5)) .

ونُسِب هذا القول إلى بعض المتَكَلِّمين، والآمدي نسبه إلى طائفة شاذّة ([6] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn6)) .

ومن جملة ما استَنَد إليه أصحاب هذا القول في الاستدلال: الوُقوع، قالوا:

إنّ الإجماع مِن غَير مستنَد ولا دليل قد وَقَع، ولا أدلُّ على الجواز من الوقوع، ويبيِّن ذلك ما يأتي:

1) الإجماع على بيع المراضاة ([7] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn7)) .

2) الإجماع على أُجْرَة الحمَّام، مع جهالة المدَّة والمقدار المستعمل من الماء ([8] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn8)) .

3) الإجماع على جواز عقْد الاستصناع ([9] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn9)) ([10] (http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn10) ).

وليس هناك دليل خاصٌّ هو مُسْتَنَد هذه الإجماعات المذكورة؛ فإذْ وَقَع فهو دليل على التَّصور وزيادة.

وأجيب عن هذا الاستدلال إجمالاً وتفصيلاً.

فأمّا الجواب الإجمالي فيقال: غاية الصُّور التي ذُكِرَت أن يقال فيها: لم يُنْقَل إلينا فيها دليلٌ ولا أَمَارة، ولا يُمْكِن القَطْعُ بأنَّهما ليساَ موجوديْن، فلَعَلَّهما كاناَ موجودين، لكِن تُرك نقلهما؛ استغناءً بالإجماع عنهما ([11] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn11) ).

وأمّا الجواب التفصيلي، فكما يأتي:

1) عدم التَّسليم بأنّ بيع المراضاة قد وقع فيه الإجماع، بل الفقهاء مختلفون فيه:

فذهب الشّافعي ـ رحمنا الله وإياه ـ إلى أنّ البيع لا يصحّ إلا بالإيجاب والقبول.

وذهب مالك وأحمد ـ رحمنا الله وإياهما ـ إلى تجويز البيع عن معاطاة وتراضٍ.

وقال بعض الحنفية: يصحّ بيع المراضاة في خسائس الأشياء، ولا يصحّ في الأشياء الكبيرة ([12] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn12) ).

فانتفى ادِّعاء الإجماع في هذه المسألة، وعليه لا يصحّ إيراده شاهداً.

على أنّ بيع المراضاة لَمّا جرت العادة به، جرى الأخذ والإعطاءُ في الدِّلالة على الرِّضا مُجْرى القول ([13] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn13) ).

2) وأمّا أُجْرة الحمَّام فهي ثابتة بالعُرْف، والعُرْف من الأدلة المعتبرة شرْعاً، إذا تحققت شروطه، وهناك مسائل كثيرة منوطة بالعُرْف؛ فكل ما ورد به الشّرع مطلَقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللّغة، يُرْجع فيه إلى العُرف (([14] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn14) )).

ومثال ذلك: الحِرْز في السّرقة، ووقت الحيض وقدره، فإن الشّرع الحنيف لم يحدِّدهما، ولم يذكر لهما ضابطاً، فيرجع النّاس في تحديد ذلك وتقديره إلى العُرْف.

وعليه، فإنّ الإجماع على أُجْرة الحمّام ليس عارياً عن الدّليل، كما توهَّمَه أصحاب هذا القول، بل الدّليل ثابتٌ ـ كما رأيت ـ.

3) وأمّا عقد الاسْتِصْنَاع، فقد كان في زمن النبي r، ولم يُنكره ـ مع عِلْمِه به ـ فكان ثبوته عن طريق السُّنَّة التقريرية ([15] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=50176#_edn15) ).

ومثله المضاربة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمنا الله وإياه ـ:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015