وقال مالك أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم: يريد المسائل وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا ويقول يتكلم أحدهم كأنه جمل مغتلم يقول هو كذا هو كذا بهدر في كلامه وكان يكره الجواب في كثرة المسائل ويقول قال اللَهُ عز وجل {وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي} فلم يأته في ذلك جواب. وقيل له الرجل يكون عالماً بالسنن يجادل عنها قال لا ولكن يخبر بالسنة فان قبل منه وإلا سكت: وقال المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم وقال المراء في العلم يُقسي القلب ويورث الضعن: وكان يقول في المسائل التي يسئل عنها كثيراً لا أدري: وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك.
وقد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن أغلوطات المسائل وعن المسائل قبل وقوع الحوادث وفي ذلك ما يطول ذكره: ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب: وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزاً ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حباً للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا.
وقال مهدي بن ميمون سمعت محمد بن سيرين وما رآه رجل ففطن له فقال إني أعلم ما يريد إني لو أردت أن أماريك كنت عالماً بأبواب المراء: وفي رواية قال أنا أعلم بالمراء منك ولكني لا أماريك وقال إبراهيم النخعي ما خاصمت قط وقال عبد الكريم الحوري ما خاصم ورع قط وقال جعفر بن محمد إياكم والخصومات في الدين فإنها تشغل القلب. وتورث النفاق.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول إذا سمعت المراء فاقصر وقال من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر الثقل وقال أن السابقين عن علم وقفوا وببصرنا قد كفوا وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا وكلام السلف في هذا المعنى كثير جداً.
وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك. وهذا جهل محض. وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا. كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.
ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[20 - Feb-2010, مساء 06:11]ـ
بارك الله فيكم
/// إن كان المراد ذم من يفضل المتأخرين على المتقديمين من أجل هذا التوسع في مسائل الخلاف والمناظرات
فهو حق لا خلاف فيه
وإنما صدر ذلك ممن لا فهم له من المتأخرين
وإلا فإن كبار أولائك المتناظرين المتأخرين لم يكونوا يظنون ذلك
مثلا رئيس الشافعية في العراق أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى لما بلغه عن بعض معاصريه تفضيل أبي حامد الإسفراييني على الشافعي لما رأى من تمكنه في الخلاف والجدل قال أبو إسحاق معلقا:
لا يلتفت إليه، فإن أبا حامد ومن هو أقدم منه وأعلم على بعدٍ من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وأبو حامد الإسفراييني إمام المتناظرين في زمنه قال: نحن نجري مع أبي العباس أي ابن سريج في ظواهر الفقه دون دقائقه
ونحو هذا موجود في مظانه
فهذا الظن (الذي هو جهل محض كما قال ابن رجب) لم يكن في كبارهم وإنما كان في قليلي الفهم من متأخري المتفقه
/// وإن كان المراد بأن علم الخلاف والجدل الفقهي الذي توسع فيه أهل تلك الطبقة لا نفع فيه ولا فائدة منه وهو مذموم مطلقا
فإن الواقع على خلاف ذلك
وفي كتب الخلاف الفقهي علم جم كنكت الشيرازي وحاوي الماوردي وتجريد القدوري وعيون ابن القصار وكتب القاضي عبد الوهاب والانتصار للكلوذاني وغيرها مما قد يكون أشهر مما ذكرنا من التعاليق الخلافية وغيرهما
وكذا الأمر فيما سقنا من بعض المناظرات التي تمثل صورة منعكسة عن هذا الأمر
فلا يشك المنصف الفطن من اشتمالها على علم نافع وفوائد جمة
وإن كان المراد أن ما فيها من علم وكلام كثير قد اشتملت عليه وزيادة عباراتُ المتقدمين
فهذا حق كما تقدم
لكن لا يعني أنها خالية من الفائدة أو أن شرها أكثر من خيرها
/// وإن كان المراد ليس ذم ذلك مطلقا بل ذم ما يقع فيها من تعصب وعدم تعظيم للنصوص
فهو قليل بالنسبة للباقي أو في نفر من المتفقه ممن وصفنا بقلة الفهم ممن خالفوا أشياخهم الكبار
وقد وقفنا في هذه المناظرات على تعظيم النصوص وترك القياس من أجلها
وكذا فيما سمينا من كتب الخلاف وغيرها
/// وإن كان المراد ذم عقد المناظرات الفقهية والجدل فيها
فإن العلماء لا يذمون ذلك بل يستحسنونه لما فيه من فوائد
وكلامهم في هذا معروف
وإنما يذمون الجدل الذي هو بمعنى المراء (الجدل بغير الحسنى)
ولا شك أن هذه المنظارات كما رأينا ليست من الجدل المذموم لما اشتملت عليه من فوائد جمة وعدم تعصب.
/// فإن كان قضية كلام الحافظ ابن رجب ذم من فتن بعلم المتأخرين من الفقهاء لكثرة كلامهم وتوسعهم في العبارة وفضلهم على فقهاء المتقدمين
فهو حق وهو موجه لطائفة معينة من متأخري المتفقه من قليلي الفهم
وليس هو فيما نحن فيه ولا يتنزل على تلك الكتب الخلافية وأولائك العلماء ممن سمينا وعلى هذه المناظرات
فلا يكون مناسبا ذكره هنا
وإن كان منزلا على ما سمينا فهو غلط والله أعلم
¥