وقال أيضا في نفس الكتاب (ج1/ص68):وعزي إلى مالك رضي الله عنه في الرسالة المنسوبة إليه، وتعرف بكتاب السر، أنه حد للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوما وليلة. قال علماؤنا: ولا تثبت هذه الرسالة. قال القاضي أبو محمد: وكان الشيخ أبو بكر في جماعة من الشيوخ ينكرونها، ويقولون: لا تصح عن مالك. ونص ما حكي عن الشيخ أبي بكر في ذلك: وقد سمعت من يذكر أن لمالك بن أنس كتاب سر، وكان مالك أتقى لله وأجل وأعظم شأنا من أن يتقي في دينه أحدا أو يراعيه، وكان مشهورا بهذه الحال، وأنه لا يتقي من سلطان ولا غيره. وقد نظرت في نسخة من كتاب السر، فوجدته ينقض بعضه بعضا، ولو سمع مالك إنسانا يتكلم ببعض ما فيه لأوجعه ضربا. وقد حدثني موسى بن إسماعيل القاضي قال: سمعت عبد الله بن أحمد الطيالسي، يقول: سألت إسماعيل بن إسحاق عن كتاب السر لمالك بن أنس، فقال: سألت أبا ثابت محمد بن عبد الله المدني صاحب ابن القاسم: هل لمالك كتاب سر؟ فقال: سالت ابن القاسم عن ذلك؟ فقال: ما نعرف لمالك كتاب سر.
وقال ابن الحاجب في (جامع الأمهات ج1/ص261):ويحل كل استمتاع إلا الإتيان في الدبر، ونسب تحليله إلى مالك في كتاب (السر) وهو مجهول. وعن ابن وهب: سألت مالكاً وقلت: إنهم حكوا عنك أنك تراه، فقال: معاذ الله، وتلا {نساؤكم حرث لكم} وقال: لا يكون الحرث إلا في موضع الزرع.
وقال أبو العباس القرطبي في (المفهم ج4/ 157) بعد أن ذكر من أباحه: وحكي عن مالك في كتاب يسمى (كتاب السر)، ونسب الكتاب إلى مالك، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العتبي إباحة ذلك عن مالك. وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نص ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سميناه (إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار).
وقال أبو عبد الله القرطبي في (تفسير القرطبي ج4/ص8):وذكر بن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب (جماع النسوان وأحكام القران).وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: {فأتوا حرثكم}، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد؛ لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل؛ فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم}؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: {أنى شئتم} شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم وطء النساء في الإدبار؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه (تحريم المحل المكروه). ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه (إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار).قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الأخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله؛ وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك؛ كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه.
وقال نجم الدين الطوفي في (الإشارات الإلهية ج1/ص332):وهؤلاء هم الشيعة وطائفة من أهل الحجاز، ويعزى إلى مالك، وقد شاهدناه عنه في كتاب (السر) من نسخة صحيحة متصلة الإسناد إليه، وأصحابه تارة يسلمون صحته عنه، ويدعون رجوعه، وتارة ينكرونه عنه أصلا، وينكرون صحة كتاب (السر) عنه بالأصالة ثم ينقلون من كتاب (السر) مسائل في غير هذا الباب. والدليل على صحته عنه أن عظم مادته عن نافع عن ابن عمر، وقد نقل ذلك عنهما، أما نافع فقد روي في مسند أبي حنيفة رحمه الله أنه قيل له: مالك لم تأخذ عن نافع؟ فقال: قد قصدته لآخذ عنه؛
¥