فوجدته بين أصحابه، وهو يفتي بجواز وطء المرأة في الدبر، فتركته فلم آخذ عنه شيئا. وأما ابن عمر فروى عبد الرزاق في تفسيره بإسناده إلى ابن عمر أنه تلا {أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قال: يعني مثله من الذكر، قال ابن عمر: ولا ينبغي أن يقال هذا للعوام. أو كما قال. وأتى في حاشية مخطوط (الإشارات) عند قول المؤلف: [وينكرون صحة كتاب السر] ما نصه: قلت: بل هو صحيح ثابت كما صرح به شيخنا علي ... حجمه نحو أربعين ورقة.

وقال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى ج21/ص185):ومالك مع سعة علمه وعلو قدره قال في كتاب (السر): لأقولن قولا لم أقله قبل ذلك في علانية. وتكلم بكلام مضمونه إنكاره إما مطلقا وإما في الحضر. وخالفه أصحابه في ذلك، وقال ابن وهب: هذا ضعف له؛ حيث لم يقله قبل ذلك علانية.

وقال ابن الحاج في (المدخل ج2/ص192):وليتهم لو اقتصروا على ذلك لكنهم نسبوا ذلك إلى الجواز ويقولون أنه مروي عن مالك رحمه الله وهي رواية منكرة عنه لا أصل لها، لأن من نسبها إلى مالك إنما نسبها لكتاب (السر) وإن وجد ذلك في غيره فهو متقول عليه، وأصحاب مالك رحمه الله مطبقون على أن مالكا لم يكن له كتاب سر. وفيه من غير هذا أشياء كثيرة منكرة يجل غير مالك عن إباحتها فكيف بمنصبه، وما عرف مالك إلا بنقيض ما نقلوا عنه من أن يخص الخليفة برخص دون غيره، بل كان يشدد عليهم ويأخذهم بالسياسة حتى ينزلهم عن درجاتهم إلى درجات غيرهم من سائر المسلمين مثل ما جرى له مع الخليفة في إقراء الموطأ عليه كما تقدم، وقد قال له الخليفة مرة: يا مالك ما زلت تذل الأمراء. فهذا هو المعروف والمعهود من حاله معهم.

وقال ابن كثير في (التفسير ج1/ص263):وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب (السر) وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك رحمه الله، وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه.

وقال ابن حجر في (تلخيص الحبير ج3/ص183):قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ عن مَالِكٍ) وقال بَعْدَ ذلك: (وَيُعْلَمُ قَوْلُهُ الْإِتْيَانُ في الدُّبُرِ بِالْمِيمِ لِمَا رُوِيَ عن مَالِكٍ) قال: (وَأَصْحَابُهُ الْعِرَاقِيُّونَ لم يُثْبِتُوا الرِّوَايَةَ. انْتَهَى).قَرَأْت في رِحْلَةِ ابن الصَّلَاحِ أَنَّهُ نَقَلَ ذلك من كِتَابِ (الْمُحِيطِ) لِلشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ؛ قال: وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ. وقد رَجَعَ متأخروا أَصْحَابِهِ عن ذلك وَأَفْتَوْا بِتَحْرِيمِهِ، إلَّا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ حَلَالٌ. قال: وكان عِنْدَنَا قَاضٍ يُقَالُ له أبو واثلة وكان يَرَى بِجَوَازِهِ فَرُفِعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا وَاشْتَكَتْ منه أَنَّهُ يَطْلُبُ منها ذلك؛ فقال: قد اُبْتُلِيت. وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في (تَعْلِيقِهِ): نُصَّ في كِتَابِ (السِّرِّ) عن مَالِكٍ على إبَاحَتِهِ، وَرَوَاهُ عنه أَهْلُ مِصْرَ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ. قُلْت: وَكِتَابُ (السِّرِّ) وَقَفْت عليه في كُرَّاسَةٍ لَطِيفَةٍ من رِوَايَةِ الْحَارِثِ بن مِسْكِينٍ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن مَالِكٍ، وهو يَشْتَمِلُ على نَوَادِرَ من الْمَسَائِلِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخُلَفَاءِ، ولأجل هذا سُمِّيَ كِتَابُ السِّرِّ، وَفِيهِ هذه الْمَسْأَلَةُ. وقد رَوَاهُ أَحْمَدُ بن أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ وَهَذَّبَهُ وَرَتَّبَهُ على الْأَبْوَابِ وَأَخْرَجَ له أَشْبَاهًا وَنَظَائِرَ في كل بَابٍ، وَرَوَى فيه من طَرِيقِ مَعْنِ بن عِيسَى: سَأَلْت مَالِكًا عنه؛ فقال: ما أَعْلَمُ فيه تَحْرِيمًا. وقال ابن رُشْدٍ في كِتَابِ (الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ في شَرْحِ الْعُتْبِيَّةِ): رَوَى الْعُتْبِيُّ عن ابن الْقَاسِمِ عن مَالِكٍ أَنَّهُ قال له وقد سَأَلَهُ عن ذلك مُخَلِّيًا بِهِ؛ فقال: حَلَالٌ ليس بِهِ بَأْسٌ. قال بن الْقَاسِمِ: ولم أُدْرِك أَحَدًا أقتدي بِهِ في دِينٍ يَشُكُّ فيه، وَالْمَدَنِيُّونَ يَرْوُونَ الرُّخْصَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم. يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى ما روى عن بن عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ. وقال: ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عن الْمَالِكِيَّةِ لم يُنْقَلْ عن أَصْحَابِهِمْ إلَّا عن نَاسٍ قَلِيلٍ،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015