وقال ابن القيم أيضا:" وما كان من العلوم مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان: نوع تكمل به النفس بإدراكه والعلم به، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه. ونوع لا يحصل للنفس به كمال، وهو كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم لا ينفع.أ هـ.

وقال في النونية:

والعلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيان

علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن

والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني

وقال تلميذ ابن القيم- الحافظ ابن رجب رحمهما الله:" العلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك. والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولا ثم الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا وفي ذلك كفاية لمن عقل وشغل لمن بالعلم النافع عنى واشتغل".

ومما تقدم نجد أن كثيرا من الكتاب يبعدون عن الصواب حين يذكرون أن المقصود في الآيات والأحاديث الآنفة الذكر، طلبة العلوم الدنيوية، ولا نزاع في بطلان هذا القول، فالقول به حادث مردود، وليس هذا انتقاصا لعلم من العلوم المفيدة، ولكن لا يجوز تفسير القرآن بالأهواء، وهذه العلوم لها مكانة في الشرع لأنها وسيلة إلى تقوية المسلمين كما سيتضح أكثر في المبحث الآتي. أما أن تفسر النصوص بالباطل فلا يرضى به مؤمن.

هل تعلم العلوم الدنيوية من الدين

العلوم الدنيوية شديدة الأهمية للمسلمين وهي من سبل تحقيق عمارة الأرض وطلب الرزق، وأصول الشريعة تدل على أن هذه العلوم داخلة في فروض الكفايات، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله تعالى:" هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ... " (هود: 61)، ومن مقتضيات عمارة الأرض السعي لكل ما يصلح الحياة ومقاومة ما يفسدها.

2. قوله سبحانه:" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ... " (الجمعة: 10)، وقوله جل وعلا:" هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ... " (الملك: 15) ودراسة العلوم الدنيوية من أعظم وسائل طلب الرزق.

3. أن العبد مأمور أن يبحث عن كل ما يكون سببا في زوال مرضه من طبيب ماهر وعلاج ناجع، فقد صح في الحديث:" عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم". وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله لم ينزل داء إلا أنزل شفاء علمه من علمه وجهله من جهله". وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:"لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى". وتحصيل الدواء لا يكون إلا بوجود عدد كاف من الأطباء، وقد كان الشافعي يقول: لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه. وكان رحمه الله يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى.

ولما نطق لسان طبيب يهودي بما يكنه إخوانه أثر ذلك على المازري فتعلم الطب، فإن أبا عبدالله المازري مرض مرضة ً، فلم يجد من يعالجه إلا يهودي، فلما عوفي على يديه قال: لولا التزامي بحفظ صناعتي لأعدمتك المسلمين. فأثر هذا عند المازري، فأقبل على تعلم الطب حتى فاق فيه، وكان ممن يفتي فيه كما يفتي في الفقه.

4. أن الله تعالى أمرنا بالإعداد للجهاد فقال تعالى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ... " (الأنفال: 60)، وقوله: من قوة، نص في العموم فتدل على أن كل ما يقوي المسلمين على أعدائهم فتحصيله داخل في الأمر، ونحن في هذه الأزمنة نرى تسلط الأقوياء من أهل الكتاب واستضعاف المسلمين لبعدهم عن السعي لتنفيذ هذا الأمر، والله غالب على أمره.

5. أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خص بعض الصحابة بالأمر بتعلم بعض العلوم الدنيوية لتحقق نفعها للمسلمين، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلمت له كتاب يهود – وفي رواية: بالسريانية – وقال: إني والله ما آمن يهود على كتابي، فما مرَّ بي نصف شهر حتى تعلمته وحذقته، فكنت أكتب له إليهم وأقرأ له كتبهم". ففي هذا الحديث دلالة صريحة على أن تعلم العلوم الدنيوية التي فيها نفع عام للمسلمين مقصودة للشارع، مأجور عليها إن صلحت النية. وانظر إلى الإمام محمد بن عبدالباقي الأنصاري (ت 535هـ) لما أسر في أيدي الروم لم يترك وقته يضيع سدى بل تعلم منهم اللغة الرومية والخط الرومي لعله قد يحتاج إليها يوما. وروى الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير رضي الله عنه مائة غلام، يتكلم كل غلام بلغة غي رالآخر".

وقد ذكر الصفدي – تلميذ شيخ الإسلام – عن شيخه أبي العباس ابن تيمية أنه كان ملما بالحساب والهندسة وذكر قصة عجيبة في هذا.

أسأل الله أن يجمع لنا بين العلم النافع والعمل الصالح، والحمد لله رب العالمين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015