فلعلك لحظت أن منهج السلف في النقض والرد على المخالف إنما يكون بحسب الحاجة، ولا يعني ترك ذلك إهمال المنفي في هذا المعتقد.
وقال رحمه في "مجموع الفتاوى" (6/ 503) في بعض مسائل الإيمان التي اختلف فيها الناس:
( .. ومن سكت عن الكلام في هذه المسألة، ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت؛ فهذا أولى).
وقال في "الفتاوى" (10/ 364) بعد أن ذكر مخالطة بعض الفرق الصوفية: ( .. قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة، أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا؛ فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف؛ وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة؛ إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية؛ إذا خرج غيره عن ذلك؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة) ..
.. (وإنما قررت هذه القاعدة ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا: تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علما وعملا، وتارة بعدوان بفعل السيئات علما وعملا وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة. فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان. والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات. والمضطر إلى بعض السيئات معذور .. ).
إلى أن قال: ( .. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان).
وإذا لم يحصل تعاون ولا نصرة فلا أقل من أن نستشعر خطر الخلاف، وآثاره المدمرة؛ فيكف المرء عن التنفير والحرب والعرقلة التي توجب فساد الأحوال وتعثر الأعمال، وفساد ذات البين؛ فالمشروعات إن لم تسر متحدة فلا أقل أن يكون سيرها متوازيا.
قواعد الأخلاق:
نهج الأخلاق تحقيق للعبودية لله وحده، وهي طريقنا إلى قلوب الآخرين، ولهذا قال الله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم" وقال صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم صالح الأخلاق" رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة.
فمن هذه القواعد:
19. أن لا يظهر به شماتة، أو تأل على الله
:
حيث يقع في كلام بعض العلماء عن بعض أهل البدع فيما يقع له من المصائب أنه بسبب معاداته أهل السنة، وهذه طريقة غير حسنة؛ فإن الله تعالى وإن كان يعاقب بالمصائب فإن هذا إنما يعلم في الجملة لا على التفصيل والتعيين، وهو سبحانه يدبر خلقه، ويصرف أقداره كيف يشاء؛ فمرة تكون المصيبة عقوبة، ومرة تكون رفعة درجات، وكفارة لسيئات سابقة.
هذا عدا أن التكلم بها نوع شماتة يتنزه عنها أهل الأخلاق والمروءة.
20. أن يتواضع للحق والخلق وأن يزري على نفسه
:
من التواضع لله أن لا يدل المسلم على الناس بإصابته، وبما يراه من خطأ غيره، أو بدعته؛ بل لا يزيده ذلك إلا حبا للحق ورحمة بالخلق، وأن يبعثه على مزيد الشكر والحمد.
21. أن يصبر على أذاه
:
فالمخالف قد يعتدي بقول أو فعل على القائم بالحق؛ فلا يحمله ذلك على رد عدوانه بمثله أو أقل منه فضلا عن الزيادة في رد العدوان.
قال الإمام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/ 37) في علاقة المسلم بمن خالفه في الفروع أو الأصول:
( .. ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة، ويصبر على جهل الجهول وظلمة؛ إن كان غير متأول، وأما إن كان متأولا فخطؤه مغفور له، وهو فيما يصيبه من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له، وذلك محنة وابتلاء في حق ذلك المظلوم) ..
.. (فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له، كما قال تعالى: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا"؟ وقال تعالى: "لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور") ..
.. (فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى، وذلك تنبيه على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين) ..
¥