. (وقد قال سبحانه: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم؛ فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له).

وقال ابن القيم مادحا ابن تيمية: (كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت له يوما أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه فزجرني، وأعرض عني، وقرأ: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وذهب لساعته إلى منزله فعزى أهله، وقال: اعتبروني خليفة له، ونائبا عنه، وسأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه؛ وتحدث معهم بلطف وإكرام، بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه).

وقال (27/ 95): (وكان ابن فورك في مخاطبة السلطان قصد إظهار مخالفة الكرامية، كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم، وكما كفرهم عند السلطان. ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه، ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد؛ بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره: فإنه هو ظلم نفسه) ..

.. (وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق، يتبعون الرسول فلا يبتدعون. ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه. وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه. وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين، ولكن هو أيضا مبتدع؛ فيرد بدعة ببدعة، وباطلا بباطل).

22. أن يعامله برفق ولين

:

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق ما جاء في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه" وقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في اليهود وفي حال سب وسخرية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في إنكار أهل السنة على أهل السماع الصوفي: ( .. وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة) ..

.. (كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا، وصار على تمادي الأيام يزداد المحدث من السماع، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان).

23. أن ينصره على من بغى عليه:

فلا يعني كونه مخالفاً أو مبتدعاً أن يخذل في الموقع الذي تجب فيه نصرته، وهو كل أمر عدا عونه المباشر في بدعته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن رد على الجهمية في الفتنة (5/ 555): (وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل وعلم ودين. ومن قال: إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ـ كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك ـ فهذا كذب عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الرد على الجهمية؛ وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن؛ ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه. ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم).

24. أن يثنى على ما أحسن فيه، ولا يلزم من ذلك ذكر مثالبه:

إن من تمام العدل أن يقل للمحسن في إحسانه أحسنت، وفي إساءته أسئت، فإن اجتمع فيه

الأمر: ذُم بقد ما فيه من إساءه، وأُثني عليه بقدر ما فيه من إحسان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض" (2/ 102) بعد ذكره جمعاً من متكلمي الأشاعرة المناظرين على طريقتهم: ( .. ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه؛ فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015