ومن ذلك شرح كتبهم وفي هذا أعظم التقديم والتزكية؛ كشرح العلامة ابن القيم لكتاب الإمام أبي عبدالله الهروي، وثناؤه عليه وتسميته له بشيخ الإسلام، والتماسه له العذر فيما أخطأ فيه؛ كما سيأتي في قواعد الأخلاق، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك تتلمذ علماء السنة على أمثال أولئك العلماء وعدهم في شيوخهم، وقبول طلاب المدارس والاتجاهات الأخرى في حلقهم، وعدهم في تلاميذهم.
ومن ذلك تداول كتبهم بيعا وشراء وإهداء ونسخا رغم ما فيها من الأخطاء في أبواب كثيرة، ومنها أبواب الأسماء والصفات، وغيرها.
وقد جاهد العلماء جهاد الطلب مع أئمة البدع المغلظة؛ كالجهمية الذين اتبعوا المناهج العقلية التي حيدت النص أو عطلته بالكلية في أهم وأخطر القضايا: صفات الباري، وهم الذين قالوا بخلق القرآن، ومع ذلك دعا لهم الإمام أحمد وجاهد معهم.
كما أنه من المعلوم أن الشعوب التي ستدخل في الإسلام إثر هذا الجهاد ستكون في غالب الظن على طريقة الحاكم في الاعتقاد؛ وذلك لأنه يشترط في ولاة الأقاليم والعلماء أن يكونوا على طريقته؛ بل كان يمتحن العلماء الذين لا يعملون في ولايته ليحملهم على معتقده، ويعزل من هو على خلافه؛ فما الظن في اشتراط موافقته معتقده عند ابتداء توليته؟ ومع ذلك تعاونوا معه رغم ما يثمره هذا للمبتدعة من كثرة الأتباع، وعظم السواد، وأغلب الجهاد الذي شاركوا فيه كان جهاد طلب ليس فيه نفيرا عاما حتى يقال وجب عليهم الخروج معه.
فما دام أن القضية متعلقة بالسياسة الشرعية، وقواعد المصالح والمفاسد فلتبن مواقفنا في التعامل مع المخالفين على أساسها، من غير غلو ولا تفريط، وأن يكون النظر في اعتبارها خالياً من أي مؤثرات محيطة، والله عز وجل سائل المتساهل عن حق العلم والبيان، كما أنه سائل الغالي عما استرعاه الله إياه من حقوق الناس في أعراضهم.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (28/ 210): ( .. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس .. ).
وقال: (13/ 96): (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا. وكذلك بعض الملوك قد يغزوا غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذلك كان شرا بالنسبة للقائم بالواجب، وأما بالنسة إلى الكفار فهو خير .. ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه .. ) أهـ.
ثم إن الغالب الأعظم فيمن يقع التنفير منه هم من مقلدة أصحاب المناهج المخالفة وليسوا مناظرين ولا دعاة إلى ذلك المذهب؛ كمقلدة الأشاعرة، ولا تجد في مناهج مدارسهم في الأكثر مبادئ تناقض منهج أهل السنة والجماعة؛ بل تجد عندهم من تعظيم علماء السنة ورموزهم والحرص على عدم وجود ما يناقض ما قروره ما يجعل مفاسد الدعم والتعاون مضمحلة أو معدومة.
ولو قال قائل: إن من علم الناس الدين على منهج الكتاب والسنة دون زيادة أو نقص، وترك ذكر معتقد أهل السنة والجماعة الذي لم ينصوا عليه إلا لإزالة الشبهة والرد على المخالف فإن منهجه منهج صحيح لم يكون قوله بعيدا عن الصواب، سواء كان يوافقه أو يعتقد خلافه، وذلك لأن الرد على المخالف ونقض الشبهة إنما تجب إذا وجد سببها، أما دون ذلك فلا يجب.
وقد نقل الإمام ابن تيمية "مجموع الفتاوى" (7/ 311) عن أبي عبيد القاسم بن سلام سرده للعلماء الذين تكلموا في نقض الإرجاء من علماء الكوفة، ثم قال شيخ الإسلام تعقيباً على ذلك: ( .. قلت: ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم، لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولاً فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان؛ فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك؛ فكثر منهم من قال ذلك؛ كما أن التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من خراسان، كثر من علماء خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة في بلده ولا سمع بها).
¥