وقال في رسالته لأهل البحرين حين تنازعوا في رؤية الكفار ربهم (6/ 503): ( .. من سكت عن الكلام في هذه المسألة، ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت؛ فهذا أولى) ..
.. (و .. لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعاراً يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله) أهـ.
ويظن البعض أن الهجر في غير موضعه، أو منهج إسقاط المخالف سوف يحسم الخلاف في المسائل، ويلجيء المخالف أو أتباعه إلى الإذعان لقوله، وفي هذا نظر كبير وإنما يقع هذا في الذهن لا في الواقع.
وهذا وإن كان نافعاً في أحيان قليلة إلا أن الأكثر أنه لا يجدي، ويكون التأليف في كثير من المسائل خير من الهجر فيها.
والإغلاظ والهجر لا سيما في هذه الأزمنة سبب لزيادة المحذورات:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" (1/ 305) في إنكار أهل السنة على أهل السماع الصوفي: ( .. وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة) ..
.. (كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا، وصار على تمادي الأيام يزداد المحدث من السماع، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار، حتى آل الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو من أعظم القبائح المنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان).
18. أن يتعاون معه على وجوه البر إذا غلبت مصلحة ذلك
:
حيث تقرر أن العلاقة مع المخالفين ـ بما فيهم المبتدعة ـ مبناها على قواعد المصالح والمفاسد فإن هذا لا يقتصر على العلاقة السلبية وهي الهجر أو عدمه، وإنما يتجاوزه إلى العلاقة الإيجابية البناءة، وهي التعاون معه على وجوه البر؛ بما لا يؤثر على القاعدة الكلية في اعتبار الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذه ليست خاصة بالمبتدع، وإنما تنتظم كل مخالف.
وأخطأ قوم فجعلوا مسألة التعاون مع المبتدع ممنوعة في كل حال على كل شخص، بناء على اعتقادهم أن سبب المنع نص يحرم ذلك؛ كنص تحريم الكذب والغيبة، والصحيح ما تقرر في هذه الورقة من أن ذلك مبني على السياسة الشرعية وقاعدة المصالح والمفاسد؛ فما أنتجه إعمالها وجب العمل به والمصير إليه، ولا يختص التعامل مع المبتدع بذلك؛ بل هو شامل لكل ما لم يرد فيه نص بالمنع أو الإباحة، وحصل فيه التعارض بين المصالح والمفاسد عند العمل به.
وأكثر ما يشتبه هنا ما يراه البعض من أن في التعاون مع المخالف تزكية له، وإضفاء للشرعية على أعماله؛ مما ينتج دعما لبدعته وتكثيرا لسواده. وهذا قد يكون حقا في بعض الأحيان، ولكن لنحذر هنا أعظم الحذر من الأوهام التي تغذيها المعاني الترابية من حزبية أو إقليمية أو تاريخية رسخها ترك النظر والاستدلال؛ فهو أعظم ما يحجب عن رؤية الحقيقة في هذه المسائل؛ لاسيما وأنها مسائل تقديرية.
وأعرض هنا لبعض النماذج التي تدل على مشروعية التعاون معه ودعمه في ضوء تلك القاعدة:
فمن ذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين إلى القتال مع المؤمنين، حيث خلدها القرآن على لسان عبدالله بن حرام رضي الله عنه حين قال: "قل تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا " وقد قال المفسرون: إن لم يكن خروجكم جهادا في سبيل الله فمن أجل الدفاع عن المدينة، والمعتبر هنا هو قاعدة المصالح والمفاسد، ولو قيل: إن هذا كان لحفظ بيضة المدينة أن تستباح، قيل: إن هذا من رعاية المصالح؛ إذ لو كان ذلك مبدأ لا يتغير بتغير الأحوال وجب ترك التعاون معهم؛ ولو ذهبت به النفوس والأوطان؛ فإن الله ناصر دينه ومعل كلمته.
ومن ذلك رواية المحدثين عن أهل البدع، وقد كان الأئمة؛ كالبخاري ومسلم وغيرهما يروون عنهم دون أن يجعل وصف المبتدع قرينا لاسمه. وكذلك ما قرره العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية والأحكام السلطانية من جواز شهادة أهل البدع في الحقوق.
ومن ذلك ترجمة علماء أهل السنة لكثير ممن وقع في بدعة تحريف، مع ثنائهم على أكثرهم، وفي هذا تقديم لهم إلى الناس.
¥