ولا يشكل على هذا عند البعض إلا شدة نكير السلف من التابعين ومن بعدهم علىأهل البدع، وهجرهم إياهم والتحذير منهم، وهذا غير مشكل؛ فإذا قررنا هناأن هذه المسألة مبناها على اعتبار المصالح والمفاسد التي تُبنى على اختلافالأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، وأن الهجر والتضييق والتسمية كانتنافعة في ذلك الوقت؛ لكثرة أهل السنة وقوتهم، وضعف أهل البدع؛ فليسلأحد أن يدعي أن السلف جعلوا ذلك قاعدة لا تنخرم.
وقد نبه إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كلامه عن هجر المبتدع في "مجموعالفتاوى" (28/ 210) واعتبر هناك أن التضييق على المخالفين من أهل البدعمبناه على اعتبار المصالح والمفاسد حتى في التعامل مع البدع المغلظة؛كالتجهم، ونقل عن أحمد أنه وجه أهل السنة في خراسان بمدارة الجهمية فيها؛ لكونها موطن نفوذهم وانتشارهم.
ويقول في هذا الموضع: ( .. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي. وكذلك لما كثر القدر في أهلالبصرة).
بل ذهب في هذه الأحوال إلى التعاون معهم في أمور الجهاد والعلم؛ مما سيأتي ذكره في قاعدة لاحقة إن شاء الله.
وحمل في الموضع نفسه اختلاف كلام أحمد في التعامل مع المبتدع بين شدة ولينباعتبار هذه القاعدة؛ فقال: ( .. وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره منالأئمة، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله، أو خرج خطاباً لمعينقد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى اللهعليه وسلّم، إنما يثبت حكمها في نظيرها) ..
.. (فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لميؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوابه محرمات. وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أمروا بهجره منالسيئات البدعية .. ).
وفي موضع آخر (10/ 365) ذكر اختلاف الحال، وأثره في التعامل مع أهل البدعمن الطرق الصوفية، وذكر مخالطتهم وبقاء المريد معهم، ثم قال رحمه الله: ( .. وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه .. ).
وقال (28/ 206): عن الهجر: ( .. فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبهورجوع العامة عن مثل حاله؛ فإن كانت لمصلحةٍ في ذلك راجحة، بحيث يفضيهجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيرهيرتدع بذلك؛ بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحةعلى مصلحته، لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر).
وقال في الموضع نفسه: ( .. وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبنيعلى هذا الأصل؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع؛ كماكثر القدر في البصرة، والتجهم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليسكذلك .. وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه).
ومن مفاسد التعرية ـ التي لا تعتبر القواعد ـ: قطعُ الطريق على أهلالمنهج الحق لإصلاح المتبوع والتابع من أهل البدع، أو تقليل شرهما.
وذلك أن الحدود الفاصلة تظل في خرائط انتماءات المخالفين من المشايخالمتبوعين، أو المناهج الدعوية أو الطرق المبتدعة تظل هذه الحدود في تلكالخرائط باهتة، والجدران قصيرة يتنقل الناس بينها؛ فمرة بدخول أهل السنةعليهم دون توجس، ومرة بدخول المخالف عليهم دون تردد، ويتمكن أهل السنةمن التأثير على المخالفين دون عوائق تذكر، وتكون الصولة حينئذ للدليلوالبرهان؛ ولكن حين تُذكر الأسماء، ويُعَيَّن الأشخاص يتنبه الغافل،وتصبح الخطوط الباهتة في هذه الخرائط ساطعة براقة، وتأخذ الجدران القصيرةفي الارتفاع، ويشرع التابع بالبحث عن هويته وانتمائه؛ ليواجه به مايسميه هو هجوم الهويات والانتماءات الأخرى عليه أو على متبوعه، فتراهيتحصن بهذا من تأثير أهل المنهج الحق، وهذا ما يُفسر بقاء بعض الفرقالباطنية والطرق الغالية المنحرفة في بعض بلدان أهل السنة، وتحت سلطانهمالسياسي، ومناهجهم الدراسية، وتوجيه إعلامهم دون تأثير يُذكر، وكان منالأسباب الرئيسة في هذا حملاتُ التحصين التي تبرعنا بها؛ لحماية أتباعهممن خلال الهجر والمقاطعة.
¥