وقد حدثني أحد الدعاة المجربين حين كان في أمريكا، أن شاباً ينتحل أهلهعقيدة خلق القرآن والتكفير بالكبيرة، وكان يختلف على المركز الإسلاميهناك، وقد تأثر في بلده بالمدرسين القادمين من بعض الدول الإسلامية؛فصار يحب أهل السنة ويتقرب منهم؛ فشك أحد الأفاضل في مذهبه؛ فدعاه إلىبيته وامتحنه في عقيدته؛ فَصَدَقه القول بأنه يرى ما يقوله أهله من أنالقرآن مخلوق؛ فما كان منه إلا أن طرده من بيته وجرده من مهامه الصغيرةالتي أوكلت إليه في المركز، فذهب إلى بلده في الصيف، وسأل علماء بلدهعما واجهه به هذا الرجل .. ثم عاد إلى أمريكا، ولكنه عاد بنفس جديد، وقدتسلح بالشبه التي يقول صاحبنا: احتجنا نحن معها إلى متخصص في أصول الدينليرد عليها.

ومن مفاسد التعرية وذكر الأسماء أن ذلك يحول أنظار المدعوين من تأملالفكرة إلى تأمل حال الشخص، وهل ما يقوله عنه صحيح أم لا؟ وهنا تضيعالفكرة نفسها، ولا يحصل مقصود الشريعة في إظهار الحق وإزهاق الباطل.

هذا في الأحوال العادية ومع مدعو محايد، أما إذا كان توجيه الدعوة إلىأتباع صاحب الفكرة المنحرفة فسيكون انشغالهم بصاحبهم عن تفهم دعوة الحقمانعاً من سماعها؛ حيث تتقوى العصبية لمتبوعهم؛ بل لا يفرق كثير منالأتباع بين أشخاصهم هم وشخص متبوعهم، وحينئذ تكون فكرة الداعية أكثرضياعاً وتشتتاً واشتباهاً.

وليس للمسائل المستثناة التي يكون التنفير من المخالف فيها جائزاً، أوممنوعاً ضابط محدد ينتظم جميع الأحوال؛ إلا قواعد المصالح والمفاسد التييُنظر فيها إلى اعتبارات كثيرة؛ منها درجة الخلاف قوة وضعفاً والزمانوالمكان والأشخاص وحال المُنْكِر نفسه، وحال المخالف وأتباعه، وأثرتعريته على الناس سلباً أو إيجاباً، وقوة أهل الحق وضعفهم.

ومما يضبط هذه المسألة أن يوكل هذا إلى علماء السنة الراسخين، وأن لايتصدى لها غيرهم إلا بمشورة أولئك العلماء؛ لا أن يستبد الواحد من طلابالعلم بذلك، لما له من أثر خطير في شق الصف، وتمزيق الأمة، وتضييعالمصالح والحقوق.

ويُفيد طالب العلم من العلماء وزن المسألة من الناحية العلمية، ودرجةسهولة الخلاف أو عظمه، ووسائل التبيين، والموازنة بين مصلحة التسميةوالتعيين ومفسدتهما؛ فكم عُيِّن المخالف؛ فكان ذلك سبباً لمفسدة أعظمبالمزيد من الفرقة، أو مفسدة أخرى هي إشهار مخالف مغمور.

وقد جاء في "الإبانة الكبرى" لابن بطة عن عبدالله بن مسعود قال: (إن ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون في الفرقة).

والمعنى أن المرء في حال الاجتماع يكره من البعض منكراتهم ومخالفاتهم،ولكن احتمالهم رغم مخالفتهم رعاية للاجتماع خير مما تحبه من مقاطعتهم لأجلهذه المخالفات.

والمعنى المرفوض هنا هو أن يغير المرء معتقده لأجله، أو أن يسكت عن الحق مع قدرته على بيانه؛ دون قدح في شخص أو مؤسسة.

أما الثبات على الأمر والتبيين بالحسنى مع الاحتفاظ بحقوق الآخرين فهو المنهج الذي قادت الأدلة إلى صحته واعتباره.

ومما لا يغيب عن فطنة الحكيم أن المجتهد في تعرية المخالفين ينبغي أنيعامل بهذه القواعد من خشية الله فيه ومعذرته والعدل معه والتلطف فيمعاملته؛ بما نصل به إلى تحقيق العبودية لله وحده. لا أن يفيد من هذهالقواعد الضلالُ والمنحرفون، ولا يفيد منها القانت العابد الذي نذر نفسهمحتسبا للشريعة، مدافعاً عن الدين.

ومع إصابة كثير ممن نعرفهم في هذا انتهاج طريقة التعرية؛ لا سيما مع دعاةالتغريب والمنادين بسلخ الأمة عند دينها فإن ما أخطأوا في تطبيقه لا يخلومن فائدة يقع بها زجر العابثين بثوابت الأمة.

والطريق الصحيح لتصحيح هذه الأخطاء في هذا المعترك الحامي، وفي مفترق هذهالطرق المضلل حماية جانبهم؛ لكثرة صوابهم، مع تنبيههم إلى ما أخطأوا أوبالغوا فيه.

17. أن لا يهجره إلا في موضعه:

يقال في الهجر ما قيل في التنفير والتعرية بأنه لا يُشرع إلا لمصلحة، أو درء مفسدة، يكونان أعظم من فسدة قطيعة مسلم.

وذلك مبني على أصل عظيم، وهو بقاء حقوق الإسلام حتى يخرجنا منها يقين مصلحة الهجر، أو يقين مفسدة التواصل.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015