ثم إن خطر التغرير وإضفاء الشرعية كان موجوداً في عهد النبي صلى عليه وسلمفي المنافقين الذي يسعون إلى تقويض الدولة المسلمة، وكانت لهم كثرة عددية، وامتدادات اجتماعية في أمة تعظم شأن القبيلة، ولهم علاقات منتظمة معاليهود؛ لتحقيق أغراض الطرفين بإلقاء الشبة والإرجاف والتخذيل، ولا أدلعلى هذا التأثير والحضور من نزول سورة بكاملها جاءت لتبين طرائقهم وتعريمناهجهم؛ حتى سُميت بالفاضحة، ومع هذا كله ظلت الأسماء سراً، وبقيالنبي صلى الله عليه وسلم يجري على المنافقين أحكام الإسلام الظاهرة؛ بلكان مع شيء من التلطف والحنو، ظهر ذلك حيث استغفر لهم وصلى على ميتهم،وقال لابن زعيمهم حين أراد قتل والده لِما رآه الابن من كثرة مكائده .. قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "بل نحسن صحبته ما دام معنا"، وحينمات أعطى ابنه قميصه ليكفنه فيه.
نعم قد نُهي عن الاستغفار لهم، وعن الصلاة على من مات منهم، ولكن هذاالمنهج العام في التعامل مع المنافقين لم ينسخ، ولم ينه عنه.
فإن قيل: كان البيان العام من الكتاب والسنة ببيان العلم ورد الشبهةوالنقض على المخالف في عهده صلى الله عليه وسلم كافياً عن إسقاط الأشخاص،وهذا لا يتحقق في زماننا بسبب ضعف البيان العام!
فيقال: قد أقررنا بكفاية البيان العام عن التعرية، وأما تقصيرنا فيالبيان فلا يجوز أن نجمع إليه خطأ منهجياً آخر باتباع سياسات تخالف منهجالكتاب والسنة.
والمتأمل في الواقع يلحظ أن الأزمة الحقيقية التي دعت البعض إلى انتهاجهذه الطريقة إنما هي أزمة تربوية عند الجماهير؛ حيث يرى الداعية الغيورأنه لا وقت عندهم للاستماع إلى الحجج؛ فيجعل من منهج التعرية وتسميةالأشخاص طريقة سريعة لتحريك الذهن الخامل عند هذه الجماهير مستفيدا منمعرفتهم به وثقتهم فيه؛ وذلك لأن ذكر اسم المخالف أكثر حضورا وإلحاحا فيذهن المستمع من الحجة والبرهان التي تحتاج إلى ذهن حاضر ومقارنة وتأمل.
وهذه الأزمة عند المستمع ينبغي أن تعالج من جذورها بالدعوة والتربية.
ثم إن مخالفك لا يعجز عن انتهاج طريقتك عند جمهوره ومحبيه؛ فتبقى النزاعات بين الغوغاء؛ مما يزيد فرقة الأمة وتشتتها.
أما صاحب الحجة والبرهان فهو الذي يملك بهما ناصية الحقيقة بكل جدارة،وأتباعها وإن كانوا قلة إلا إنهم أعظم بركة من عامة قلوبها غلف وآذانها صموعيونها عمي، وكما قيل في المثل: أن تقود مجموعة قليلة من الأسود خيرامن أن تقود قطيعاً كبيرا من الخراف.
وإذا ارتفعنا بعلوية طافحة الأضواء بعيداً عن قتام المختلفين وغبارالمتنازعين فإن فيما قررناه من المنهج أعظم العبودية لله حين يكون التعظيمللبرهان والدليل، وهو الذي أراده الله منا أن نودعه قلوب المدعوين؛ليكونوا عابدين لله على بينة وبصيرة لا على تقليد وعمى؛ فههنا نجاتهموسلامتهم.
وإذا أردت أن تقرر أصلاً من الشريعة في التعامل مع أصحاب المناهج المنحرفة فإنها لم تأت
بدليل قاطع بترك التعرية الشخصية مطلقاً، ولا باعتبارها مطلقاً، وحين ظنالمختلفون وجود أحد الدليلين وقع الخلاف، والتحقيق في هذا أن القضيةمنوطة بمقتضى أحكام السياسة الشرعية، وقواعد المصالح والمفاسد، وهذهالأحكام ونلك القواعد تقتضي أن يكون الأصل هو ما ذكرناه، وما عداهاستثناء قد يوجد سببه وقد لا يوجد.
وفهم هذا الأصل واعتباره يجعل خلاف الناس بعد ذلك إنما هو في تحقيق المناط لا في تخريجه؛
أي: هل وجدت مصلحة تعريته أولا؛ فإذا سُلِّم هذا فالخلاف في تحقيقهمسألة يسيرة جداً؛ لأنها مبنية على تحقق المصلحة أو عدمها، وإمكانالوصول إلى هذا سهل قريب من خلال استجلاء العبر من التاريخ القديموالمعاصر وإجراء الدراسات الكاشفة.
أما إذا فُهم أنها دلالة نصية من الشريعة لا تختلف بها الأحوال ولاالأشخاص ولا الأمكنة ولا نتائج دراسة المصالح والمفاسد فهنا قد يصل المرءإلى تعطيل مقاصد الشريعة في العلاقة مع المخالف: من احتوائه أو تقليل شره، أو تحقيق مصالح أكبر من مفسدة ترك الكلام في شخصه؛ فيحتاج الباحث إلىأن يعيد النظر في تأصيل المسألة.
¥