إن لبعض الناس قابلية شديدة لعلوق الأشياء القذرة في قلبه فيما لا تقبلعلوق الأشياء الخيرة؛ فتخرج النتيجة المرة البئيسة: أنه لا يراه إلا منخلال أخطائه، فيسقط اعتباره بالكلية، ويتولد في قلبه من الحقد والكراهيةما يحمله على العدوان عليه وبخسه حقوقه.
ويزين له الشيطان أنه إنما فعل ذلك نصرة لدينه وغيرة على عقيدته.
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل مسيره إلى قريش في سراً؛ ليجعل منعنصر المفاجأة سببا لحسم المعركة؛ فقام حاطب بن أبي بلتعة بعمل خطيرآثاره مدمرة حيث سعى لتبليغ المشركين بذلك.
فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لقد جعل من حسناته سببا للعفو عنه.
وإذا رجعت إلى الواقع وجدت أن أكثر الخلاف وأكثر العدوان على المخالفين راجع إلى ترك هذه القاعدة أو التفريط فيها.
فكثير ممن فوقت لهم سهام العدوان، وتمزقت الأمة بسببه هو ضياع هذا الأصل.
وقد قال أبو عبدالله الهروي صاحب "منازل السائرين": (إن من حقائق التوبةطلب أعذار الخليقة)؛ فقرر ابن القيم في "المدارج" (1/ 196) بأن هذا منالاحتجاج المذموم بالقدر، وأنه يلزم منه عذر عباد الأصنام والأوثان،وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليسوجنوده، وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهمتحت القدر وهم من الخليقة، أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟
إلى أن قال: ( .. ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءةالظن به؛ فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحلالذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات اللهوسلامه عليه، والكامل من عد خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنكوالمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وافترقت بالسالكينفيه الطرقات، وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكات).
وقد اعتبر الإمام ابن تيمية هذه القاعدة في موازنة حسنات الصوفية بسيئاتهم، ووجد من كثير منهم أو أكثرهم بدع اعتقادية وعملية؛ كالتي تُنسب إلىالمعاصرين منهم فانتهى إلى اعتبار فضلهم بتغليب حسناتهم على سيئاتهم،وذلك في السماع الصوفي المشتمل على منكرات ومزالق؛ فقال رحمه الله تعالىفي "الفتاوى" (11/ 428):
( .. والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح: غمرتحسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات، أو الخطأ في مواقع الاجتهاد، وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم).
وقرر في الموضع نفسه أن التارك للدليل الصحيح قد يكون معذورا لاجتهاده،بل قد يكون صديقا عظيما، وأنه ليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا، وعمله كله سنة.
وقال رحمه الله في جواب سؤال عن الصوفية (11/ 15): ( .. ثم الناس في الحبوالبغض والموالاة والمعاداة هم أيضاً مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئونتارة، وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما
يحبه، أحب الرجل مطلقاً، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقاً، وأعرض عن حسناته .. ) ..
.. ( .. وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماعوهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته، ويستحق العقابعلى سيئاته، وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه، وما يعاقب عليه،وما يحمد عليه وما يذم عليه، وما يحب منه وما يبغض منه) أهـ.
وقال (13/ 97) ( .. والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهميةوغيرهم، وبينوا ما بينوه من تناقضهم، وعظموا الحديث والسنة ومذهبالجماعة؛ فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ماانتفع به خلق كثير) أهـ.
ومن زغل العلم والدعوة أنك لا تجد مثل هذا المنهج ـ إلا ما ندر ـ فيالثناء على الدول والمؤسسات والجماعات والأفراد فيما أحسنوا فيه، معالتنبيه والنصيحة بالحسنى والممكن فيما أساءوا فيه، ولكن واقع البعض هوالذم مطلقا دون تقييد، أو المدح مطلقاً دون تقييد.
وقال ابن القيم: ( .. من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت،وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل من غيره،ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتينلم يحمل الخبث .. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوفالحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع).
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (28/ 203): ( .. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداةوالعقاب بحسب ما فيه من الشر؛ فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكراموالإهانة؛ فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطىمن بين المال ما يكفيه لحاجته) ..
.. (هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارجوالمعتزلة، ومن وافقهم عليه؛ فلم يجعلوا الناس إلا مستحقاً للثواب فقط،وإلا مستحقاً للعقاب فقط).
يتبع
¥