وقد طبق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الضابط لما تناول قول الجنيد: التوحيد إفراد القدم من الحديث .. فقال في "الاستقامة": (1/ 92): ( .. هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملاً حسناً، وغير المحق يدخلفيه أشياء .. وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ،وهو التوحيد في القصد والإرادة وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة .. وهذا حق صحيح، وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسلهوأنزل به كتبه).
ومنه أيضًا حمله قول بعض الصوفية: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًامن نارك، ولكن لأنظر إليك إجلالاً لك فقال في "الفتاوى" (10/ 698): ( .. وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين، وأرباب الأحوال والمقامات، يكونلأحدهم وَجْدٌ صحيح، وذوق سليم، لكن ليس له عبارة تبين مراده؛ فيقع فيكلامه غلط وسوء أدب، مع صحة مقصوده).
10. أن لا يفجر في خصومته
:
فمهما بلغ المخالف في مخالفته فلا يجوز أن يظلم أو يجار عليه، أو أن يُكذب عليه، أو أن يُزاد في حديثه ما لم يقله.
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيهكان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتىيدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر".
11. أن يقارن خطأه بخطأ غيره ممن عذره
:
فإن كان خطؤه مثله أو قريبا منه، وكان في ظروف مماثلة، وقد عذرنا غيره؛فلتسعه المعذرة أيضاً، ولا تكن المعاصرة، أو كون المخالف مقدما عندطائفة حاضرة سبباً للكيل بمكيالين.
قال الإمام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/ 219) عن أهل السماع والنظرالمحرمين: ( .. وإن كان فيهم من ولاية الله وتقواهم ومحبته والقرب إليهما فاقوا به على من لم يساوهم في مقامهم، فليسوا في ذلك بأعظم من أكابرالسلف المقتتلين في الفتنة، والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة، والمستحلين لربا الفضل والمتعة، والمستحلين للحشوش، كما قال عبد اللهبن المبارك: رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة، كانت منه الهفوةوالزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته. والغلط يقع تارة في استحلال المحرمبالتأويل، وفي ترك الواجب بالتأويل، وفي جعل المحرم عبادة بالتأويل؛كالمقتتلين في الفتنة، حيث رأوا ذلك واجباً ومستحباً، وكما قال طائفةمثل عبد الله بن داود الحربي وغيره: إن شرب النبيذ المختلف فيه أفضل منتركه؛ فالتأويل يتناول الأصناف الخمسة: فيجعل الواجب مستحباً ومباحاًومكروهاً ومحرماً، ويجعل المحرم مكروهاً ومباحاً ومستحباً وواجباً،وهكذا في سائرها .. ) ..
.. (ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين؛ فإن عامةما حرمه الله مثل قتل النفس بغير حق ومثل الزنا والخمر والميسر والأموالوالاعراض قد استحل بعض أنواعه طوائف من الأمة بالتأويل، وفي المستحلينقوم من صالحي الأمة وأهل العلم والإيمان .. لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنهمن المحرمات، ولا أنه داخل فيما ذمه الله ورسوله؛ فالمقاتل في الفتنةمتأولا لا يعتقد أنه قتل مؤمنا بغير حق، والمبيح للمتعة والحشوش ونكاحالمحلل لا يعتقد أنه أباح زنا وسفاحا، والمبيح للنبيذ المتأول فيه ولبعضأنواع المعاملات الربوية وعقود المخاطرات لا يعتقد أنه أباح الخمر والميسروالربا) ..
.. (ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان،صار من أسباب المحن والفتنة؛ فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك،وقد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك، بل يتعدون ذلك ويزيدونزيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة، والذين يعلمون تحريم جنس ذلكالفعل قد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم ويتبعهمآخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ماحرمه الله ورسوله، فهذا واقع كثير في موارد النزاع).
12. أن يعتبر حسناته، ويوازنها بسيئاته
:
فمن قواعد التعامل مع المخالفين أن يُنسب الفعل الذي خالف فيه إلى بقيةأعماله الأخرى؛ فإن غلب خير الشخص على شره كان الحكم للغالب، وكان الحكمالجملي عليه بذلك.
¥