ومن أسباب العدل: أن ينظر إلى أعماله السابقة، وأحكامه السالفة، وكذلكأحوال الظلمة؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلىعلاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذينيحيطون به؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه؛ فإذاقومها فرأى فيها سداداً وتوفيقاً حمد الله تعالى عليه، وإن رأى غير ذلكراجع نفسه وذاكرها؛ حتى يقيمها على أمر الله، ومن ترك تقويم الماضيومراجعته عاد إلى جوره مرة أخرى دون أن يشعر.

ومن أسبابه: الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم؛ فهو قويشجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندهاوخوراً في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم؛ فليكن على حذر.

ولهذا كانت البيعة العظيمة التي قال عنها عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرناومنشطنا ومكارهنا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالعدل أينكنا لا نخاف في الله لومه لائم. رواه النسائي وهو صحيح، وأصله في "الصحيحين".

وتأمل في الشجاعة أمام المبغَضين قول الله تعالى: "وَلاَ يَجْرِمَنكُمْشَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُلِلتقْوَى".

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" (5/ 126، 127): ( .. ومعلوم أننا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة، مثل الملوك المختلفين عليالملك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين، وجب أن يكون الكلامبعلم وعدل، لا بظلم وجهل، وإن العدل واجب لكل أحد وعلي كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقاً لا يباح بحال قط،قال تعالي: ?وَلا يَجْرِمَنَّكُمْشَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُلِلتَّقْوَى?، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغضٌ مأمور به،فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف فيبغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه) أهـ.

والشجاعة وإن كانت خلقاً جبلياً إلا إنه يُمكن اكتسابه بالتعويد والتربية، وتدريب النفس عليه؛ فيحصل لطالب هذا الخلق من الشجاعة ما ليس عند آخرينمن الشجاعة التي جبلوا عليها؛ بل أقوى منها، وفي هذا المعنى يقول صلىالله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخيريعطه ومن يتق الشر يوقه" حديث جيد رواه الدارقطني عن أبي هريرة.

ومن أسباب العدل: تصور آثار الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة

:

فالظلم والجور يدوران حتى يعودان إلى من فعلهما، وبالظلم تشيع الفوضى، وتنتشر الشحناء، وتكون العقوبة في النفس والمال والولد.

ومن أسباب العدل: أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه؛ فإذاكان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاًأسباب العدل؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك.

فمن القواعد المتعلقة بالعدل

:

9. أن يحمل كلام المخالف على أحسنه

:

الكلام ملك لصاحبه المخالف، وهو أولى الناس بتفسيره، وما دام أنه حمَّال أوجه لم يجز أن

نختار منها ما نشاء للحكم عليه؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه؛فليس التعامل معه بالدرهم والدينار، ولا في مصاهرته، وإنما هو حكم أووصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما.

وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملاً؛ فلو خشي أحد منتأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول: إن كان المعنى المقصودكذا فهو حق وإلا فهو باطل، ونحو ذلك.

وفي "التاريخ" لابن عساكر (47/ 35) قال عمر رضي الله عنه: (من عَرّض نفسهللتهمة فلا يلومَنّ من أساء به الظن، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاًتجد لها في الخير محملاً، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك).

وقال الإمام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (31/ 114): (ومن أعظمالتقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسنأساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر .. ).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015