"وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْجَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَوَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِبَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين"
.
فإذا كان هذا من أجل حفنة شعير أو قبضة حنطة فما بالك في مراد الله تعالىبالعدل في التعامل مع الآخرين والحكم عليهم؛ مما ترخص الأموال فداء لهوهو عرض المرء وكرامته؟، ولهذا قال حسان:
أصوني عرضي بمالي لا أدنسُه لا بارك الله بعد العرض في المالِ
أحتال للمال إن أودى فأكسِبُه ولست للعرض إن أودي بمحتالِ
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "الاستقامة" (1/ 38): ( .. لو ادّعى عليك رجل بعشرة
دراهم، وأنت حاضر في البلد، غير ممتنع من حضور مجلس الحكم لم يكن للحاكمأن يحكم عليك في غَيْبتك، هذا في الحقوق؛ فكيف بالعقوبات التي يحرم فيهاذلك بإجماع المسلمين) ..
.. (وقد قال سبحانه: "ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هوأقرب للتقوى"، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضُهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم؛ فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أنيجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالماً له) أهكلامه رحمه الله.
وكان للعادلين أعظم مكان، وأهيب مشهد؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عنعبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المقسطينعند الله على منابر من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذينيعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا ".
لقد كان لأهل العدل هذا المقام لأنه ليس دعوى مجردة، أو أمنية لا عزيمةمعها، أو شعاراً لا معاناة في تحصيله؛ ولكنه أسباب تتراكم وتجتمع؛ فمنحققها تحقق عنده العدل وإلا جار في تعامله مع الآخرين، وفي حكمه عليهمدون أن يشعر.
وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحققفي نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل، وإن فقدها فهو على خطر:
فمنها: تحصيل العلم الشرعي؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرينضروري لتحقيق العدل مع الناس، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أويتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها.
ومنها: التأني، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة.
ومنها: العلم بواقع الحال، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه، أونحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله، والأسباب والدوافع لذلك الفعل،وأسباب المعذرة، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أوزلل.
فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجهالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها؛ فتأنى النبي صلى الله عليهوسلم حين سأله عن الفعل أولاً بقوله: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟، ثم سألهعن السبب؛ بقوله: "ما حملك على هذا"؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافعتأثيراً في الحكم، ثم أعفاه من العقوبة؛ حين وازن بين سيئاته وحسناتهفقال: "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقدغفرت لكم".
ومنها: اتهام النفس؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل، والوقوف على ما يعينعليه، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها، يتوقع منها الخللوالزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان.
وإذا استرخى عن استشعار ذلك حل محله ظن الكمال والكِبْر؛ فيُزين الشيطانله عمله، ويزيده إغواء بأن يوهمه أن هذه الظنون هي الثقة بما ما معه منالحق، والعزة على أهل الباطل.
ومن اتهم نفسه رأى نفسه في كل وقت محتاجاً إلى التعرف على أسباب العدل، ورآها محتاجة إلى النصيحة والتقويم.
وإذا فرط في عمل القلب فقد وقع في الظلم والجور دون أن يعلم.
¥