وقد بين الإمام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (12/ 487) سبب الخطأ والانحراف في هذه المسألة بتقريره أن القائلين بالكفر بمجرد فعل ذلك أو قوله قد أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، وأنهم كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وُجِدت هذه الشروط، وانتفت تلك الموانع.

وأوضح أن الإمام أحمد والأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، وأيد هذا بأن الإمام أحمد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن وذكر دعوتهم للكفر وإكراههم للناس عليه ثم قال: ( .. ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم) أهـ.

وقد أورث الخطأ في تأصيل هذه المسألة أحكاما جائرة بالكفر، وظلما للمخالفين بوصف المعين منهم بالمبتدع، حتى صرنا نسمع من البعض وصف من تلبس ببدعة عملية بأنه مبتدع فتراهم يقولون: جاء المبتدع وذهب، ويقولون للمعينين: أولئك المبتدعة.

ومثل ذلك الحكم على المعين بأنه هالك، أو أن الطائفة المعينة هالكة بمجرد قول أو فعل.

والحكم بالهلاك على المعين هو كالحكم بالكفر لا بد له من اجتماع شروط وانتفاء موانع. والمقصود من حديث: كلها في النار إلا واحدة هو تبيين أسباب الهلاك؛ ليحذرها الناس لا أن تُطبق على المعين.

قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (3/ 179): (ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته؛ وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى؛ بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال من صمت نجا) أهـ. أي: ولا يلزم أن من تكلم هلك.

ومن المعلوم أن من جاء بأسباب النجاة الاعتقادية ثم وقع منه موبقات عظيمة؛ كقطع الطريق والقتل والظلم في الأعراض فإنه قد يُعذب حتى مع سلامة معتقده، وقد يُعفى عن صاحب البدعة بتأويل يُعذر فيه مثله، أو بحسنات ماحية؛ فصح أن المقصود بذلك الحث على استكمال أسباب النجاة؛ لا أن تكون هذه اسما يفرق به بين أعيان الخلق في النجاة والهلاك.

وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (5/ 253) بعد ذكر بعض شطحات الصوفية: ( .. وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك، ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده، وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله ـ وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ـ .. وكل من أظهر الإسلام، ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك، وهو ممن يخرج من النار؛ ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم) ..

.. (ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه صلى الله عليه وسلم لم تدخل أمته الجنة؛ فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة؛ بل يدخلونها، وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم، وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به، وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل ما لا يطيق .. ) ..

.. (فهذا أصل عظيم في تعليم الناس، ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها؛ كالقرآن والحديث المشهور، وهم مختلفون في معنى ذلك). أهـ.

وذكر رحمه الله (3/ 352و353) في شرح حديث الافتراق أصلين في تكفير الفرق؛ فقال:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015