وأما دعاء الختم في الصلاة فهو عبادة محضة، وقد أُحدث في عبادة أخرى وهي الصلاة على وجه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة بحديث أو أثر صحيحين أو ضعيفين.
فعلى هذا: لا وجه لاعتبار هذه البدعة أمرا يسوغ الخلاف فيها، والأخرى لا يسوغ الخلاف فيها مع تساويهما في طرق الاستدلال والاستنباط.
وقد صارت هاتين المسألتين والحكم فيهما على المخالف معقداً للمفاصلة، وسبباً لتفرق الناس.
ويكون العمل بهذه الخلافيات وإنكارها بحسب قواعد السياسة الشرعية التي ستأتي إن شاء الله.
الهجر في غير موضعه:
فالخطأ في مسألة الهجر وعدم تحقيق القول فيها أدى إلى اعتقاده ديناً مقصوداً لذاته لا يتغير
بتغير الأشخاص والأمكنة والأزمنة؛ بينما دلت الشريعة وقواعدها على أن الهجر إنما هو وسيلة لزجر العاصي؛ فإن كان مؤدياً هذا الغرض وإلا استبقى المسلمُ مع المخالف الحقوق المتعلقة بإسلامه.
وقد وقع بسبب ذلك الاعتداء على المخالف، وفاتت بذلك الفرص للتأثير على المخالفين لا سيما من أهل البدع المعلظة، حتى صار رؤساؤهم يحبون أن يُهجر أتباعهم؛ لما فيه من تحصينهم من تأثير الآخرين.
قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله في كلامه عن هجر المبتدع في "مجموع الفتاوى" (28/ 210): ( .. فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأموراً بها .. ).
واعتبر رحمه الله في هذا الموضع قوة الهاجر وضعف المهجور، وأنه لا يلزم المسلم في مواقع نفوذ المخالفين أن يهجرهم.
وقرر أن أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به. وأنه قد وترتب على ذلك تفرق المسلمين وتسلط الأعداء.
بين النوع والعين:
في هذا الباب وقع ما يُعد من أعظم العدوان على المخالف؛ فبسببه وقع التكفير والتفسيق والتبديع على المعين.
وبسببه حصل الاقتتال في هذه الأمة، وبدت ظاهرة الغلو والعنف.
وإنما كان مقصود الشريعة في هذه الأسماء أمران:
الأول: الإعذار إلى من كان متصفا بهذه الصفة؛ ليقلع عن فعله، أو أن تكون الحجة قد قامت عليه؛ فيقع مقصود الشريعة بأن لا يعاقب إلا بعد إعذاره.
قال الله تعالى: "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل" رواه الشيخان من حديث ابن مسعود.
الثاني: إنذار المتردد، ومن في قلبه مرض أن لا يسلك سبيلهم.
أما تطبيق ذلك على الأعيان من أهل القبلة فليس حتماً لازماً؛ فلو تركه المرء لم يكن مخالفاً لمقصود الشريعة في وضع هذه الأسماء.
والفعل وإن كان يُسمى كفراً بيقين فلا يجب الحكم على الفاعل بالكفر، وإجراء أحكامه الظاهرة مادام متأولا في ذلك، أو مستتراً به، أو متنصلاً مما نُسب إليه.
ولا يعني هذا منع أو تحريم إلحاق الوصف به؛ بل يجوز ذلك، عند تحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وظهور الحجة التي يكفر منكرها، وهذا إنما يكون للحاكم، وليس لآحاد الناس.
وقد أخطأ في ذلك كثير من الناس فظنوا أن تكفير المعين هو مثل معرفة الكفر والحذر منه؛ فمن لم يُظهر تكفير من فعل كفرا أو قاله فقد فرط في حق الإيمان؛ بل غلوا في ذلك؛ فرأوا أنه لا يصح لهم إيمان إلا بذلك.
والناظر في هديه صلى الله عليه وسلم يظهر بجلاء أنه لم يقم أحكام الكفر على من ظهر منه ذلك سواء كان من المؤمنين؛ كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين وُجدت منه مظاهرة للمشركين على المؤمنين؛ بل إن آية البراء من المشركين التي كُفِّر به كثيرون قد نزلت فيه رضي الله عنه، أو كان من المنافقين الذي بدت منهم مقالات الكفر؛ كقولهم: ليخرجن الأعز منها الأذل، وكقولهم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل.
¥