قال الإمام مالك رحمه الله كما في "التمهيد" (1/ 67): ( .. إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركتسبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلىالمسجد؛ فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهملم يكونوا من أهل هذا الشأن).
وقال الإمام السبكي رحمه الله كما في "قاعدة في الجرح والتعديل" ص 93: (كثيراً ما رأيت من يسمع لفظةً فيفهمها على غير وجهها؛ فيُغير على الكاتب والمؤلف ومن عاشره واستن بسنته .. مع أن المؤلف لم يرد ذلك على الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل).
نماذج لأحكام لم يحقق الكلام فيها، واعتدي فيها بسبب ذلك على المخالف:
التفريق في التعامل مع المخالف بين مسائل الفروع والأصول:
جعل بعضهم الفروع والأصول، أو العقائد والفقهيات هي المفرق لما يسوغ فيه الخلاف، وما لا يسوغ، وبنوا على ذلك أحكاما في التكفير، بل واستحلال عقوبته، أو حتى قتله.
وهذا التفريق بدعة أحدثها المخالفون لأهل السنة، وجعلوها سيفاً مصلتاً عليهم؛ لحملهم على أن يأخذوا بقولهم؛ فاستعدوا عليهم السلاطين، وعزلوهم بسببها من وظائفهم، وجردوهم من إمامة الناس في الصلاة، والتدريس والفتوى والوعظ.
وقد حقق هذه المسألة الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ فرأى أنه لا يفرق في ذلك بين الأصول
والفروع؛ فقال في "مجموع الفتاوى" (1/ 207): ( .. والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره).
وقرر في هذا الموضع أنه لا يوجد ضابط صحيح للتفريق بينها، وأن كون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال المعتقدين؛ فليس هو وصفاً للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة؛ أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعاً ولا ظناً، وأن ذكاء المحكوم عليه وعدمه مؤثر في هذا.
كما قرر أن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالاً يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويكفِّرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه؛ كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم.
أقول: وقد صار الحكم على الناس بالبدعة مبنياً على هذه المسألة، دون أن يعرف المتكلم فيها دليلاً أو ضابطاً.
اعتبار مسائل البدع العملية من قضايا الاعتقاد:
فلو سلمنا بالتفريق بين مسائل الفروع والأصول، والقطعية والظنية فإن مسائل البدع العملية التي يختلف فيها الناس، وتبنى على الاستنباط هي من مسائل الفقه والظن لا من مسائل القطع واليقين، وتكون في أبواب الفقه، وليست في أبواب العقائد، وعلى التسليم بالفرق فإن محل مصنفات البدع العملية هو قسم الفقه وليس قسم العقيدة.
والبدع العملية هي التي تكون في الصلوات؛ كدعاء ختم القرآن فيها، والأذكار؛ كالذكر الجماعي، والأعياد؛ كالمولد واليوم الوطني، وتعليق التمائم من القرآن، والتعريف في الأمصار.
وهذا وإن كان اصطلاحا إلا أنه بسبب هذا التصنيف وقع الانطباع عند الناس أن الخلاف في هذه المسائل لا يقبل الاجتهاد، وأن المخالف المعين فيها من أهل البدع.
وإذا استثنينا ما يقع في بعض الموالد من الشرك بالله فإن من رام الإنصاف لا يجد فرقاً بين الحكم ببدعية المولد وبدعية دعاء الختم في الصلاة؛ فكلاها عمل، وكلاهما مبني على أدلة نظرية ليس عند أحد الفريقين دليل يحسم به الخلاف.
أما المولد النبوي فهو بلا ريب داخل في حد البدعة بجلاء ووضوح؛ كدرجة الوضوح في بدعية دعاء الختم في الصلاة؛ وذلك لأنه اجتمع في المولد سمات العيد الشرعي، ولأن الأعياد محددة بأوجه تعبدية محضة اُختير فيها الزمان على وجه لا يُعقل معناه على التفصيل؛ فصارت من الدين المحدد؛ فتكون الزيادة على ما قدره الشارع وحدده بدعة، هذا عدا ما فيه من المضاهاة للمشروع؛ ولانقطاع الأعياد التي كانت قبل الإسلام، وبقائها منقطعة إلى تصرم القرون المفضلة.
¥