ومن المعلوم أن حكم المرء لا يكون صحيحاً في شيء إلا بمعرفة دليل ما قال به، ومعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ومعرفة منهج السلف في ذلك، والإجابة على أدلة المخالفين، ومتى ما فرط في شيء من ذلك فحكم على أحد أو أبدى رأياً فيه قبل ذلك فقد اعتدى على المخالف بجهله.
وحتى لو أصاب الحق في نفس الأمر فهو آثم لتفريطه، وهذا معنى ما قاله بعض أهل العلم: أخطأ وإن أصاب؛ كالقاضي يحكم بعقوبة المتهم بغير بينه ولا إقرار ولا قرينة فهو مخطئ آثم؛ وإن كان المتهم في نفس الأمر مجرماً.
قال الإمام ابن تيمية في "منهاج السنة" (5/ 83): ( .. لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات).
5. أن يحقق المسائل:
فالاكتفاء في مثل هذه القضايا بالثقافة العامة والمطالعات السريعة، والبناء على ذلك في نتائج نظرها إنما هو نوع من اعتبار الجهل والظن.
فلا تبرأ ذمة العالم إلا بإمعان النظر فيها، وتحقيق القول في مآخذها وقواعدها.
والمسائل العلمية المتعلقة بالحكم على أي شيء، ومنه الحكم على المخالف تمر بمراحل هي:
1. تخريج المناط؛ وهو استخراج ما يحتمل أن يكون علة للحكم ومقصدا له، وما يتبعه من تنقيح المناط، وما ينتجه ذلك من حكم المجتهد في المسألة بكونها كفراً أو فسقاً أو بدعة؛ كقوله بعد الاجتهاد: إن الحكم بغير ما أنزل الله على وجه التشريع العام كفر أكبر مخرج من الملة.
2. تحقيق المناط، وهو إنزال الحكم على الواقعة الجديدة؛ كقوله بأن قانون تشريع إباحة الربا في الحالة المعين هو هذا الكفر.
3. التحقق والتثبت من أن الذي نتعامل معه قد قال أو فعل ما يوجب أو يجيز عقوبته؛ فكثير من الناس يبني على مجرد الإشاعة، أو على ما يقال في وسائل الإعلام، وعلى النقل الذي يتغير عند الشخص الواحد أكثر من مرة؛ فكيف عند طول السلسلة.
4. التحقق من قيام الحجة التي يكفر منكرها، ووجود الشروط وانتفاء الموانع.
5. وصف الفاعل بآثار فعل المخالفة؛ بأن يقال عن شخصه: إنه كافر أو فاسق أو مبتدع.
6. إظهار هذه الأحكام أو إخفاؤها بالنظر إلى المصالح والمفاسد، واختلاف الأزمنة والأمكنة، واختلاف الأشخاص الحاكمين والمحكوم عليهم.
وكل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى جمع علمي، ثم تأمل وموازنة، ثم إصدار الحكم.
فهل استقصى الناس في مخالفاتهم للآخرين هذه المراحل، أو أن واقع كثيرين هو ارتجال إصدار الأحكام، والتسرع في تطبيقها عليهم؟
6. أن ينبذ التقليد:
فليس من العدل ولا من العلم أن يقلد المرء غيره في الحكم على الآخرين، وما يترتب عليه من التعامل معهم بهجر أو تنفير أو عقوبة، أو الحكم على أحد بكفر أو فسوق أو بدعة؛ فما كان قطعياً فلا تقليد فيه لظهوره، وما كان محل اجتهاد أهل العلم، أو مشكوكاً فيه لم يجز لأحد أن يخرج من المقطوع به، وهو حرمة عرض المسلم، ولزوم وفائه جميع حقوقه بأمر مشكوك فيه لا يعرف وجهه ولا دليله، والعالم المستدل فيما يختار من أقوال، وفي مواقفه: يجد ما يُخرجه من العهدة، ويبرئ به الذمة، ولكن ما الذي يُخرج المقلد؟
والتقليد إنما أُبيح على خلاف الأصل، وهو وجوب النظر والاستدلال أُبيح لدفع حاجة أو ضرورة في عبادة أو معاملة؛ فما هي الضرورة والحاجة في الحكم على الآخرين بحكم، أو معاملتهم بما يُخشى معه بخس أعظم حقوقهم؟
ولو فقه المسلمون خطر التقليد، ووكلوا علم ما لم يحققوه إلى العلماء الربانيين، وجعلوا لهم القياد في مواجهة المخالفة وأهلها لما وقع العدوان والظلم على المخالف؛ مما اختلت به الموازين، واضطربت معه الأحكام، وتشوهت به الصورة، وأعرض عن الحق بسببه فئام من الخلق.
7. أن يتثبت ويتبين:
يقع الظلم والعدوان على المخالف بسبب العجلة وأخذ الكلام من مصادر غير معتبرة؛ إما في ورعها، وإما في ضبطها وحسن فهمها، ولهذا قال الله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".
¥