وقال في "الاستغاثة" (1/ 380) ( .. أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العدل والإيمان والرحمة؛ فيعلمون الحق الذين يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم .. ويرحمون الخلق؛ فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر ابتداءً؛ بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق .. ).
3. أن يحرص على الانتفاع من المخالف:
من أعظم أسباب تأبي الحق على القلوب الكبرُ، وإشعار المرء نفسه أو الآخرين بأنه إنما بُعث إليهم هادياً لا يقبل مع ذلك توجيها أو تصحيحاً من أحد، وأن على الناس الاستماع إلى قوله وتوجيهاته ونصائحه.
وأكمل الأحوال أن يوطن المرء نفسه للانتفاع من المخالف مهما كانت ديانته وجنسه، وأن يعلم أن هذا من أظهر علامات حسن قصده من إظهار الخلاف.
وهذا يوطن لأمرين مهمين:
الأول: تهيئة النفس لقبول الحق؛ فزوال الكبر سبب من أسباب ذلك.
والثاني: التواضع للخلق، وهذا يبعثهم على الاستماع إليك في حال من الطمأنينة والأمان؛ لأن المخالف قد سل سخيمة نفسه، ورفع حالة التوتر والاحتقان التي يشعر بها بسبب مخالفتنا، أو بسبب ما يراه من علوية البعض بأنه ما خالف أو ناظر إلا لإهداء ما عنده من الحق.
وبعض المسائل وإن كانت قطعية ظاهرة والشك فيها قد يكون كفراً إلا أن إظهار التنَزل الجدلي طريق صحيح لإزالة التوتر؛ فالله عز سبحانه وتعالى قد قال: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، ويقول تعالى: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة"؛ فما الذي يدعو إلى التفكر مع كون القضية قطعية إلا توطين نفس المخالف على قبول الحق.
وعن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت أتى حبر من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون! قال: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال: "فمن حلف فليحلف برب الكعبة". قال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا! قال: سبحان الله وما ذاك؟ قال تقولون: ما شاء الله وشئت. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال: "فمن قال ما شاء الله فليقل معها ثم شئت".
فقد سمع صلى الله عليه وسلم من اليهود في أمور عقدية، ولم يأنف أن يقول به حين وافق الحق.
4. أن يحرص على انتفاع المخالف لا ظهور القول، أو معقد الهوية:
فيكون الباعث على المخالفة، أو مجادلة المخالف هو انتفاعه بما تراه من الحق؛ لا أن يكون القصد إرغامَه وإظهارَ خطئه عند الناس.
وحين كره السلف المناظرات فلعلهم إنما رأوا سبب ذلك قلة الانتفاع منها؛ لأن أكثرها إنما يراد منه إظهار الغلبة أو إذلال المخالف ومراغمته، ونتائج هذه المناظرات إنما تزيد المخالف عنادا، وتزيد أتباعه صدوداً.
قال حسن الزعفراني كما في "الإبانة الكبرى" لابن بطة (1/ 127) سمعت الشافعي يحلف وهو يقول: (ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة, وما ناظرت أحدا ما فأحببت أن يخطئ).
وكان يقول كما في "السنن" للبيهقي: (ما كلمت أحدا قط إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه).
والمناظرة والجدل المشروعان إنما هي حين يكون الطرفان كلاهما مستعدين لقبول الحق.
قواعد العلم واليقين:
ما وقع عدوان على مخالف إلا كان أكثر أسبابه جهل المعتدي فيما يتكلم فيه، أو جهله بكيفية التعامل مع المخالف في مثل هذا الخلاف.
وحتى نعرف صحة هذا التقرير النظري فإن المتأمل في حال الأمة يرى أن أكثر نزاع المختلفين، الذي يؤدي إلى هذا العدوان هو في الجهلة والمقلدين لا في أهل العلم والمحققين، وما قد يقع من بعض أهل العلم فهو على وجه الندرة، أو الزلة.
فمن أراد أن يعرف أثر العلم في كل شيء، ومنه التعامل مع المخالف؛ فلينظر إلى أثر الجهل: إنه وضع الشيء في غير موضعه، وهو الجمع بين المفترقات والتفريق بين المتماثلات، وإعطاء الشيء حكماً مبنياً على الوهم والشك، أو العصبية وإظهار الغلبة.
¥