تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ? ".

ولا عجب ـ حينئذ ـ أن ترى أن غالب أهل المكان الذي يسود فيه مذهب، أو يعتاد الناس فيه على قول أن يكون الراجح عند الواحد منهم في غالب المسائل هو ذلك المذهب، أو ما اعتاده الناس من الأقوال!! فهل كانت العقول والفهوم متساوية بهذه الدرجة حتى تتوافق في نتائج الأفكار؟

ولهذا كانت الحالة الصحية هي في عهد الصحابة: أن ترى الاختيارات المختلفة في تلاميذ الأستاذ الواحد، وأهل المحلة الواحدة؛ فضلاً عن الإقليم، أو البلد.

وتظهر آثار الهوى في مظاهر منها: عدم العناية بتأصيل المسائل التي قد تخالف سائداً، وكراهة بحثها، خشية من الوصول إلى نتائج لها تبعات. ومنها: أنك تراه إذا حط أحد على مبغض له لم يدافع عنه بطلب محاسنه؛ بل تظهر منه علامة الإعجاب والرضا. وإن حط أحد على محبوب بدا غضبه، وثارت ثائرته. ومنها حياؤه من عرض طروحات صحيحة يقول أو يعمل بها فريق، أو تيار آخر.

2. أن يكون مقصود المخالفة براءة الذمة بالبيان للأمة:

ينطوي قلب المؤمن على نية حسنة وسريرة صافية؛ فهو لا يريد من مخالفته لأحد إلا تعظيم الحق والبحث عن الحقيقة، ولا غرض له فيما سوى ذلك؛ كتقديس النفس أو الهوية أو الانتصار لهما، ومتى علم الله ذلك منه حصل له من القبول ومحبة الخلق وانتفاعهم به ما يرفع الله به قدره، ويخلد به ذِكْره.

وقد تشوهت هذه المعاني السامية عند بعض الناس؛ فحل محل الإخلاص: الرياء والتصنع، ومحل الحرص على الهداية: محبة النفس والدوران حول الذات وتعظيم الهوية الترابية من بلد أو عرق أو حزب أو عادة ومألوف.

فأصبح النزاع والخلاف المعلن لله وهو في الحقيقة بين الذوات، أو الهويات المختلفة؛ فما أعظم الذنب وأكبر المصيبة إذا جعل المخالف تعظيم الله لافتة يخفي تحتها أخس المعاني الترابية.

وإذا بلغ الأمر هذا الحد فلا تسأل عن الفوضى العلمية، ولا عن التدابر والعدوان على المخالفين من كل فريق.

ومن المعلوم أن البيان للأمة بنشر العلم، والنقض على أهل البدع والمخالفات لا يتوقف على رضا أحد أو سخطه؛ فإن الله تعالى ما أنزل الكتب وبعث الرسل، ولا حمًّل العدول هذا العلم إلا للقيام بواجب نشره ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (1/ 221) بعد ذكره الرد على المخالف:

( .. وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى؛ لا لهوى الشخص مع الإنسان: مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد .. أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساويه مظهراً للنصح، وقصده في الباطن الغضُ من الشخص، واستيفاؤه منه؛ فهذا من عمل الشيطان، و «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى» .. ).

وقال: (28/ 221) في هجر العاصي: ( .. وإذا عرف هذا، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله؛ فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره؛ فتكون خالصة لله صواباً. فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجراً غير مأمور به: كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله) ..

.. (فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق نفسه؛ فالأول: مأمور به،

والثاني: منهى عنه؛ لأن المؤمنين أخوة .. ) ..

.. (وهذا لأن الهجر من «باب العقوبات الشرعية» فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله. والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله؛ فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية .. ) ..

.. (فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه) أهـ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015