أما في التاريخ المعاصر فمنذ الانطلاقة الأولى للصحوة المعاصرة، وما جاء بعد انطلاقتها بقليل من توجهها إلى العناية بعقيدة القرون المفضلة بالمنافحة عن هذا المنهج والتفرغ له ـ وقد أحسنوا في هذا ـ إلا أن حالة الحماس والنشوة التي ترافق قيام الحركات بأنواعها أذهلتها عن تقويم التجربة التاريخية القديمة في التعامل مع البدع التي استقرت وقوي أصحابها؛ فكان بينهم وبين مخالفيهم نوع من المنافرة والمفاصلة والشدة، وإن لم تصل إلى ما كان في عصور الانحطاط الغابرة.
وبالنظرة السريعة إلى هذه التجربة خلال الثلاثين عاماً الماضية ترى إهمال هذا الفقه باتباع منهج التنفير لم يغير في خرائط الانتماءات إلى المناهج الأخرى؛ فبقي كل على منهجه وطريقته، والذي بقي في اليد بعد هذه التجربة حنظل من الإحن وعلقم من العداوات؛ فيما لم يتحقق اختراق يذكر لهذه الاتجاهات، والمكاسب القليلة التي قد نجنيها من هذا المنهج لا تسوغ تلك القطيعة.
بل حمل ذلك بعض غلاة المخالفين إلى البحث عن هوية كاد ينساها؛ ليعود إلى إحيائها مكايدة لمن نافره وقاطعه.
وهذه أهم قواعد التعامل مع المخالفين:
قواعد عمل القلب
1. الخشية:
وكان من أعظم صفات العلماء هي الخشية والعمل المخلَص، قال جل شأنه: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال الله تعالى: "أمن هو قانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب".
وزوال الخشية أو نقصها فهي من أعظم أسباب العدوان على المخالفين وبخسهم حقوقهم؛ حيث يحل محلها الهوى.
فليست أزمة قبول الحق والإذعان له أزمة علمية، أو معضلة في البحث والتحقيق، ولكن الأزمة الكبرى هي في التجرد من الهوى، والمؤثرات المتعلقة به.
وهوى الإنسان يكون في نفسه وفي والده وولده، وفي منصبه وجاهه، وفي ماله ووطنه وعشيرته، وما يراه وفاء لشيخه، أو رعاية لتلاميذه وأتباعه ومحبيه أن يقول أو يفعل ما يخذلهم.
وقد عرف إبراهيم عليه السلام أن تعلق المشركين بآلهتهم ليس لأنهم يعتقدون نفعها وضرها؛ فعقولهم أكبر من ذلك، ولكن مصالحهم وأهوائهم ارتبطت بهذه الأوثان: من العادات والمألوفات، وشبكة المصالح المادية والاجتماعية، ومكاسب السدنة وأقربائهم وأتباعهم؛ فكان بقاء الوثن سبباً من أسباب بقاء هذه المصالح فتمسكوا به ولهذا قال الله تعالى على لسانه عليه السلام: "وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين".
وصارت روابط العرق أو البلد أو الإقليم أو الحزب وعلاقة الشيخ بالتلميذ تدفع حتى بعضاً من المهتمين بالشأن الإسلامي إلى العمى عن رؤية الحق، ومن ثم العدوان على المخالفين.
ولعل أظهر ما يدل على ذلك أن بعض المسائل الفقهية التي قوي فيها الخلاف؛ بل ثبت فيها الأخذ بالقولين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة والعلماء من بعدهم ترى في بعض الأزمنة أو الأمكنة عدواناً مبينا على المخالف فيها؛ فتُساء به النيات، وتذهب فيه الظنون كل مذهب، ثم لا ترى وصفاً مؤثراً لهذا العدوان إلا مخالفة السائد في هذا المكان أو ذلك الزمان.
ومما يؤكد وقوع الهوى أن بعض المسائل ضعف فيها الخلاف حتى قال صار قول الجماهير بل أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها بخلاف هذا القول، ولكن حين صار السائد في نفس المكان هو قول القلة صارت المسألة توصف بأنها محل اجتهاد من أهل العلم، والأخذ بخلاف قول الجماهير له ما يسوغه.
ألم يظهر أن الرابطة المكانية هي السبب الرئيس إن لم يكن الوحيد في الاختيار؟ ألم يقع بهذا تحييد لدلالة النص، ومراد الباري، ومقصد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأجل هذه المعاني الترابية؛ فأين الخشية الباعثة على التجرد من الهوى، ولهذا قال الله تعالى: "ألم ص كِتَـ?بٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ? وَذِكْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ ?تَّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ? قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ". فنبه إلى الأخذ بالمنزل بلا حرج، وحذر من خطر المتعلقات الأرضية في الصد عن ذلك فقال: "ولا
¥