عام 543 هـ في "العبر" (2/ 463): ( .. وأَبو الحجاج الفِنْدَلاوي يوسف بن دوباس المغربي المالكي. كان فقيهاً عالماً صالحاً حُلْوَ المجالسة، شديدَ التعصُّب للأَشعريّةِ، صاحبَ تحرُّق على الحنابلة. قُتل في سبيل الله في حصارِ الفرنج لدمشق مقبلاً غَيْرَ مُدْبِر بالنّيْرَب أَوّلَ يومٍ جاءَت الفرنجُ .. ).

ضلال وزيغ:

في عام 580 هـ في "تاريخ اليمن": في ترجمة أحمد بن محمد البريهي ثم السَّكسكي: كان ينسخ ( .. الكتب ويوقفها، حتى وقف أكثر من مائة كتاب في مدينة إب .. وشرط في وقفه لها أنها على أهل السنّة، دون المبتدعة من الأشعرية وغيرهم، وكتب في غالبها بيتين من الشعر هذا أحدهما:

هذا الكتاب لوجه الله موقوفُ منّا على الطالب السني موصوفُ

ما للأشاعرة الضلال في حسبي حقّ ولا للذي بالزيغ معروفُ

لا رحمه الله:

في عام 450 هـ في "تاريخ دمشق" (55/ 265): (سمعت أبا غالب من أبي علي بن البنّا الحنبلي بن الحنبلي قال: لما مات القاضي أبو يعلى بن الفرَّاء ذهبت مع أبي إلى داره، وكان يسكن بآخرة باب المراتب؛ فلقينا أبو مُحَمَّد التميمي الحنبلي الفقيه فقال له أبي: مات القاضي أبو يعلى

فقال التميمي: لا رحمه الله، فقد جرى على الحنابلة جرية لا تنغسل إلى يوم القيامة، فهجره أبي إلى أن مات).

قال في "الوافي في الوفيات": (يعني المقالة في التشبيه).

قلع مذهبكم، وقطع ذكركم:

سنة 560 هـ في "البداية والنهاية" (12/ 249) في ترجمة مرجان الخادم: ( .. كان يقرأ القراءات، وتفقه لمذهب الشافعي، وكان يتعصب على الحنابلة، ويكرههم، ويعادي الوزير ابن هبيرة وابن الجوزي معاداة شديدة، ويقول لابن الجوزي: مقصودي قلع مذهبكم، وقطع ذكركم، ولما توفي ابن هبيرة في هذه السنة قوي على بن الجوزي وخافه ابن الجوزي؛ فلما توفي في هذه السنة فرح ابن الجوزي فرحا شديدا .. ).

هذه لمحة لبعض مظاهر العداوات والشحناء التي أورثتها العصبية والظلم والعدوان على المخالفين.

يقول الإمام ابن تيمية بعد ذكر الخلافات العقدية: ( .. وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها .. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب).

5. تحقيق المقاصد في شمول وإتقان:

فإن تضييع فقه الاختلاف ينتج عزلاً لأهل المنهج الحق وتناقصاً في قوة نفوذهم وسلطانهم.

وقد ظهر هذا فيما تقدم عرضه مما وصل إليه تنازع المختلفين.

وحين تأخذ لمحة تاريخية لآخر القرن الثالث الهجري ترى أن الناس حين بدأوا بإهمال مقومات هذا الفقه؛ كمخاطبة العواطف والقلوب من خلال الرقائق والإيمانيات، واستخدام الرصيد الأخلاقي في التعامل مع الناس؛ كالحلم والتواضع والصبر وطلاقة الوجه، واستعمال السياسية الشرعية، واعتبار قواعد المصالح والمفاسد، والتعاون مع السلاطين، واحتمال المفاسد الدنيا لأجل المصالح العليا حتى بدأت الآثار تظهر بعد تصرم القرون المفضلة ضعفاً وتشرذما، وعلى إثر ذلك حتى بدت النتائج المرة: ظهور الشرك الأكبر بالطواف على القبور والأضرحة ودعاء غير الله؛ مما لم يكون موجوداً في القرون الأولى، وكان لأهل السنة قوة ظاهرة وتأثير في المشهد العام.

ولكن لا زالوا يعرضون عن هذه الأمور، أو يهملونها؛ فما أطل القرن التاسع إلا وقد صارت البدع العملية والاعتقادية المخالفة لمنهج القرون المفضلة ظاهرة لا يمكن إنكارها، واكتسح المخالفون لهذا المنهج من الغلاة الشارع العام، واستمرت الحال منذ ذلك القرن، إلى حين قيام الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بدعوته الإصلاحية التجديدية؛ فأحيا رحمه الله ما اندرس منه، وجدد ما عفا.

وقد ترسخ عند العامة بسبب حالة القحط في المنافحين عن هذا المنهج في هذه الحقبة، وبسبب قلة الأتباع وانتشار البدع ترسخ عندهم أن ما عليه العالم الإسلامي من هذه المفاسد الكبرى هي الحال التي كانت عليها القرون المفضلة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015