ثم أختي الكريمة: أكثر البدع لم تظهر في يوم وليلة، وإنما سقط أصحابها باستدراج النفس والهوى على ذلك فأصبحوا في كل مرة لهم جديد.

وليس هناك بدعة إلا ويستدل لها أصحابها بشيء من الأدلة العامة على جوازها.

كمن يستدل بعضهم، بمحبة النبي صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم، على الاستحباب بالاحتفال بمولده صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم

فباب البدع لا ينبغي أن يفتح، لأنه لن يتوقف عندها بل يتعدها إلى ما هو أعظم منها.

وكما بدأ الأمر بجواز وضع الجريد، إلى غرس الورود، إلى قراءة القرآن عند القبور، بل قال بعضهم بجواز وضع المصاحف عند القبور!!!.

فالمسلم الكيس الفطن هو من يسد على أهل البدع والأهواء كل المنافذ، حتى لا يدخلوا في دين الله ما ليس منه، لأن بكل بساطة البدعة تهدم الإسلام، فكلما فُعلت بدعة إلا وقضت على سنة، وكلما فعلت سنة إلا وقضت على بدعة.

والبدعة تنقسم إلى قسمين:

01: البدعة الحقيقية.

02: البدعة الإضافية.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في (الإعتصام1/ 286):

<<< إن البدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي، لا من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل.

ولذلك سميت بدعة،_لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق (وهذا معنى قوله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم: << من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد >>)، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ هو مدّع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة.

لكن تلك الدعوة غير صحيحة، لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر: فبالعرض (أي بعرضها على الأدلة)، وأما بحسب الظاهر: فإن أدلته شبهة، ليست بأدلة إن استدل، وإلا فالأمر واضح.

البدعة الإضافية: فهي التي لها شائبتان:

إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة.

و الاخرى: ليس لها متعلق، إلا مثل البدعة الحقيقية (أي أنها شبهة وليست بدليل).

فلما كان العمل له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين، وضعنا له هذه التسمية (البدعة الإضافية)،أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة، لأنها مستندة إلى دليل {لكنه عام (كمن يستدل بعضهم على جواز قراءة القرآن عند القبور، بأننا أمرنا بترتيله، أو لفضائله وما شابه ذلك)} وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة، لا إلى دليل، أو غير مستندة إلى شيء.

والفرق بينهما من جهة المعنى:

أن الدليل عليهما من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقع عليها، مع أنها محتاجة إليه (وهذا معنى قوله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) >>، وعليه<< فإن البدعة الحقيقية أعظم وزرا، لأنها التي باشرها المنتهي (فاعلها) بغير واسطة ولأنها مخالفة محضة، وخروج عن السنة ظاهرة >>> (الإعتصام 171).

ثم كيف كان فعل السلف مع الجريد وقراءة القرآن؟.

لقد كان الصحابة أكثر من أن يعدّوا، والتابعين لهم بإحسان كذلك، مع حرص الجميع على نقل وفهم هذا الدين على الوجه الصحيح، فلم يتركوا شيئا إلا ونقلوه وبينوه أتم بيان، فكيف كان حالهم مع غرس الجريد والورود؟، وقراءة القرآن عند القبور؟

ثم هل أوصى أحد منهم أن يقرأ على قبره؟

فلاشك أن فعل وفهم السلف هو الحق الذي يجب اتباعه.

ولا يغرنك أخيتي أنّ: زيدا أو عمرا، أو أن الشيخ الفلاني قد قال خلاف ذلك، فوالله إن السلف لهم أعلم وأحكم ممن بعدهم، فلو أنهم فهموا أن وضع الجريد لم يكن خاصا بالنبي صلي الله عليه وعلى ءاله وسلم، لكان فعلهم لذلك منقولا إلينا نقلا متواترا، كيف لا وهو مما يقي من عذاب القبر العظيم!!!، أعاذنا الله وإياكم منه، ثم لأوصوا وتوصوا على وضع الجريد، كما أوصوا مثلا: على المواظبة على قراءة سورة الملك كل ليلة ......

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه العجاب (الموافقات 3/ 56_72):

<<< .. كل دليل شرعي لا يخلوا أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا، أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاث أقسام.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015