هذه العبارة السابقة أجدها تؤدي نفس المعنى الذي فهمته منكم لكن تقديم كلمة الدليل وقناعة الشخص بالدليل يسكن حفيظة وثورة البعض تجاه البحث وليس المطلوب إثارة العداوة بقدر ما هو مطلوب من التأليف والتآخي
فإن القارئ سيأخذ كلمتك: "يتعبد بقول الإمام" ويثور ويغضب ظنا منه أنك جعلت قول الإمام واجب الطاعة ومتبوعا ويتعبد به، وبناء على مجمل البحث أظن أن ليس هذا مقصودكم، بل أظن مقصودك أن قول الإمام واسطة لفهم الحق بالنسبة للطالب وأنه استخدمه ليفهم المقصود من النص، واقتنع الطالب بهذا الفهم فأخذ به وعمل به وبالتالي من حقه أن يدافع عنه وهكذا يكون صلبا في مذهبه.
مقصدي أن اللفظ موحي وقد يكون سبب استفزاز للبعض وثق أبها الأخ الفاضل أن اللا مذهبيين والمذهبيين كلاهما يقولان كتاب وسنة بفهم السلف، فلو أنك استخدمت لفظ " فهم الإمام " وأنه "واسطة بين الطالب وفهم النص" لوافقك اللا مذهبيون ولما عارضك أحد فالخلاف لفظي فكن مريحا للقارئ وخاطب الناس بما يعرفون مادام هذا لا يخالف مذهبك.
أمّا المتعصِّب/
فيكتفي بتقليده دون بحثٍ عن دليله، فلا يعرف دليل القول الذّي انتحله، فضلاً عن أن يعرف قول مخالفه.
.........
بارك الله فيك هذا يشرح الذي قبله طبعا لكن القارئ سيصدمه الكلمة السابقة فلن يقرأ ولن يفهم التالي ولن يجمع بينهما فقدم لكلامك
لكن هناك ملحوظة بسيطة: ماذا سنفعل بالعامي؟ أليس العامي مقلد؟ هل نلزمه بمعرفة الدليل؟ طيب كيف ننتشله من التعصب إذا كان سيتبع قول العالم بغير معرفة دليل؟
فكلامك في هذه الفقرة مشكل بالنسبة للعوام لأنه سيجعل كل العوام متعصبة فلو أضفت اقتراحا أو حلا لهذه المشكلة ولو في الهامش. أو مثلا ضف عبارة أن الحديث منصب على طالب العلم وبهذا لا نكون بحاجة للكلام عن العوام
فإذا علمت ذلك:
فلا يكن همك أخي الحبيب أن ترمي مناظِرك بالتعصُّب فَورَ أن تسمع أنّه قال بقول خالف فيه حديثًا (في اعتقادك طبعا!!)، قبل أن تعلم طريقة عرضِه للدليل، لأنّك قد تقع في التعصُّب وأنت تنهى عنه.
نصح جيد وهذا ينبغي أن يراعيه كل منصف طالب للحق
ومن أمثلة ذلك:
أنّ أحدهم كَتَب فقرة مَلأَها بعلامات التعجُّب (!)، يُشنِّع على المالكية في إنكارهم لخيار المسجد، قال فيها:
"مازال!! المالكية!! المتأخرون (!) يتعصبون!!! لهذا القول (!) ولو كان مالكاً رحمه الله حيًّا وَوَصله الحديث لرجع عن قوله إلى قول النبي (ص)!!! .... ".
وجواب هذا المتعجب، ما رواه الراعي شمس الدِّين في انتصار السالك (ص: 225) أنّ:
رجلاً قال لمالك:
"يا أبا عبد الله هل عرفت حديث البيِّعان بالخيار!!!؟
قال له: نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع".
وقال له آخر:
"لِم رَويت حديث (البيعان بالخيار) في الموطأ ولم تعمل به؟
قال له مالك:
لِيعلم الجاهل مِثلك أنّي على عِلم تركته".
بارك الله فيك هذه الآثار وما قبلها وددت لو نقلت لنا تصحيح أو تضعيف نسبته للعلماء فليس مجرد ورودها في الكتب دليل صحتها هذه ملحوظة.
الأخرى أن هذا الكلام الذي ذكرته عن مالك مشكل للبعض
فمالك هو القائل: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" ذكره الألباني في مقدمة صفة الصلاة وصححه وذكر تخريجه.
وقال مالك أيضا:"قال ابن وهب سمعت مالكا سئل عن تخليل الأصابع في الوضوء فقال ليس ذلك على الناس، قال فتركته حتى خف الناس فقلت له عندنا في ذلك سنة، فقال وما هي؟ قلت حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه". فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع" صححه الألباني قي مقدمة صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر تخريجه.
المقصود أن هذا الرد (مشعر للبعض) أن الإمام مالك رحمه الله رد الحديث هكذا، وليس كذلك فإن معناه - لو صح - أن الإمام مالك رحمه الله رده بعلم وهذا يعني أنه فهم منه خلاف الظاهر أو أن عنده حجة في النسخ أو ..... أي شيء من الأسباب التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام
فاسمح لي أن أقول لكم أن هذا السياق قد يستفز البعض أيضا ومادام ليس هذا هو المطلوب فلا ينبغي سوقه بهذا الأسلوب
فإن المرء لا يكون فقيها كل الفقه حتى يكتم بعض ما يعلم مخافة سوء الفهم
ولابد أن تحدث الناس بما يعرفون وما تألفه قلوبهم إذا أردت أن توصل لهم وجهة نظرك
مثال خارج الموضوع:
سمعت شيخا تحدث عن أخر فمدحه قائلا:" إذا تكلم لم يفهمه الناس لأنه كان يحمل علما أعلى من مستوى أفهامهم"
والله هذا سياق مدح، لكن لما قرأته قلت أراد شيئا وبلغني منه شيئا أخر فهذا الكلام ذم لأن البليغ يفهمه العامة والعالم الراسخ يربي العوام على المسائل ويحدثهم بما يعرفون!
فربما كان هذا الكلام مدح لو قيل لبعض الناس لكن إذا قرأه البعض قد يظنونه ذم فلا ينبغي أن يقال الكلام هكذا على العام يسمعه كل من هب ودب.والله أعلم
¥