ـ[ابو ياسر الجزائري]ــــــــ[23 - عز وجلec-2009, مساء 04:28]ـ
في حكم نكاح الزانية واستلحاق ولده منها
السؤال: هل فتوى الإمامين أبي حنيفة وابن تيمية -رحمهما الله تعالى- بجواز نكاح الزانية ممن زنى بها، وقد حملت منه فقط لا من غيره، وهذا خلاف قول جماهير العلماء، هل هذه الفتوى يؤخذ بها في حالات معينة؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فهذا السؤال يتضمن مسألتين وهما:
- الأولى: في حكم نكاح الزانية.
- والثانية: في حكم استلحاق الزاني ولده من الزنا.
* أما المسألة الأولى: فقد اشترط ابن تيمية وفاقًا لطائفة من السلف والخلف التوبة أولاً وهو مذهب أحمد (1)، فيحرم نكاح الزانية قبل التوبة سواء كان هو الذي زنى بها أو غيره لقوله تعالى:? الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ? [النور: 3] ويزول عنها وصف الزنا بعد التوبة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" التَائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ" (2)، ويؤيد المعنى السابق قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" لاَ يَنْكِحُ الزَّانِي المَجْلُودُ إِلاَّ مِثْلَهُ" (3)، قال الشوكاني:" وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، وتدل على ذلك الآية السابقة" (4).
أمَّا مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك فلا يشترطون للجواز شرط التوبة (5) وإن كان في المدوّنة ما يشعر بهذا الشرط (6)، ومن هنا يتبين لك اختلاف ابن تيمية مع مذهب أبي حنيفة في هذا الشرط، بل يزيد شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا الشرط امتحانَ الزانية حتى يُتأكد من صدق توبتها، ومستند هذا التقرير قوله تعالى: ? إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ? [الممتحنة: 10] ويُطلَق المهاجِر على التائب أيضا، ودليل تناوله قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ " (7) "وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ" (8)، فما دامت دعوى هجر السوء قائمةً فيشرع فيها الامتحان للآية السابقة.
والشرط الثاني: الذي اشترطه ابن تيمية هو الاستبراء بحيضة للحائل، وأمَّا الحامل فحتىّ تضع وهو مذهب مالك وأحمد (9) خلافًا لأبي حنيفة الذي يرى جواز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملاً ووافقه عليه محمد بن الحسن الشيباني خلافًا لأبي يوسف (10)، ومن منطلق هذا الشرط والذي قبله يتبين اختلاف مذهب أبي حنيفة واختيار ابن تيمية، أمَّا عند الشافعي فيجوز العقد والوطء مطلقًا لأنَّ ماء الزاني غيرُ محترم (11)، ولا يخفى ضعف هذا الدليل العقلي للشافعي والذي قبله من النصوص الواردة في مضمون هذا الشرط وهو الاستبراء ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً " (12) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِىَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ وَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا " (13) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ حَائِلٌ حَتىَّ تَسْتَبْرِئ" (14).
* أمَّا المسألة الثانية: في حكم استلحاق الزاني ولده من الزنا، فإنَّ التوافق بين أبي حنيفة وابن تيمية رحمهم الله ظاهر في النتيجة والحكم، حيث إنَّ أبا حنيفة لا يرى بأسًا إذا زنا الرجل فحملت منه أن يتزوجها مع حملها ويستر عليها، والولد ولد له، واختيار ابن تيمية ينتهي إلى هذا الحكم، فالرجل إذا استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه (15)، غير أنَّ الفرق بين كلاميهما هو ما تقدم في الشرط الثاني من المسألة الأولى وهي اشتراط وضع الحامل أو الاستبراء بحيضة للحائل خلافًا لأبي حنيفة، هذا والقول باستلحاق الرجل ولده من الزنا ليس قاصرًا على الإمامين بل قال به أيضًا إسحاق بن راهويه وسليمان بن اليسار وابن سيرين والحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرُهم، وقد
¥