وأيضا كما ثبت في الصحيح والسنن: أن أعمى استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته, فأذن له , فلما ولّى دعاه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب , فأمره صلى الله عليه وسلم بالإجابة إذا سمع النداء؛ ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من سمع النداء. وفي لفظ في السنن: أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله: إني رجل شاسع الدار وإن المدينة كثيرة الهوام ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة , وهذا نص في الإيجاب للجماعة مع كون الرجل مؤمنا. وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده فعنه جوابان مبنيان على صحة صلاة المنفرد لغير عذر , فمن صحح صلاته قال: الجماعة واجبة , وليست شرطا في الصحة , كالوقت, فإنه لو أخر العصر إلى وقت الاصفرار كان آثما مع كون الصلاة صحيحة , بل وكذلك لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ثبت في الصحيح: من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر
قال: والتفضيل لا يدل على أن المفضول جائز فقد قال تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون , فجعل الله تعالى السعي إلى الجمعة خيرا من البيع , والسعي واجب والبيع حرام. ومن قال: لا تصح صلاة المنفرد إلا لعذر احتج بأدلة الوجوب قال: وما ثبت وجوبه في الصلاة كان شرطا في الصحة كسائر الواجبات
وأما الوقت فإنه لا يمكن تلافيه فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه , فنظير ذلك فوت الجمعة وفوت الجماعة التي لا يمكن استدراكها , فإذا فوت الجمعة الواجبة كان آثما وعليه الظهر , إذ لا يمكن سوى ذلك. وكذلك من فوت الجماعة الواجبة التي يجب عليه شهودها وليس هناك جماعة أخرى فإنه يصلي منفردا وتصح صلاته هنا لعدم إمكان صلاته جماعة , كما تصح الظهر ممن تفوته الجمعة .. وليس وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة , وإنما الكلام فيمن صلى في بيته منفردا لغير عذر , ثم أقيمت الجماعة فهذا عندهم عليه أن يشهد الجماعة كمن صلى الظهر قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة
واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سمع النداء. ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
ويؤيد ذلك قوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد , فإن هذا معروف من كلام علي وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وقد رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوى ذلك بعض الحفاظ. قالوا: ولا يعرف في كلام الله ورسوله حرف النفي دخل على فعل شرعي إلا لترك واجب فيه كقوله: لا صلاة إلا بأم القرآن ... و لا إيمان لمن لا أمانة له , ونحو ذلك. وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل بأن قالوا: هو محمول على المعذور كالمريض ونحوه فإن هذا بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد , وأن تفضيله صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده. كتفضيله صلاة القائم على صلاة القاعد , ومعلوم أن القيام واجب في صلاة الفرض دون النفل , كما أن الجماعة واجبة في صلاة الفرض دون النفل. وتمام الكلام في ذلك: أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث وهو: هل المراد بهما المعذور أو غيره؟ على قولين: فقالت طائفة المراد بهما غير المعذور. قالوا لأن المعذور أجره تام بدليل ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم , قالوا: فإذا كان المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان في الصحة والإقامة. فكيف تكون صلاة المعذور قاعدا أو منفردا دون صلاته في الجماعة قاعدا؟ وحمل هؤلاء تفضيل صلاة القائم على النفل دون الفرض؛ لأن القيام في الفرض واجب
ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعا؛ لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم , وقد طرد هذا الدليل طائفة من متأخري أصحاب الشافعي وأحمد وجوزوا أن يتطوع الرجل مضطجعا لغير عذر؛ لأجل هذا الحديث ولتعذر حمله على المريض كما تقدم.
ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثا في الإسلام
¥