وقالوا: لا يعرف أن أحدا قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح ولو كان هذا مشروعا لفعله المسلمون على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم أو بعده , ولفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة لتبيين الجواز , فقد كان يتطوع قاعدا ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت ويوتر عليها , غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة فلو كان هذا سائغا لفعله ولو مرة , أو لفعله أصحابه , وهؤلاء الذين أنكروا هذا مع ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب الجماعة منهم حيث حملوا قوله صلى الله عليه وسلم: تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة. على أنه أراد غير المعذور فيقال لهم: لم كان التفضيل هنا في حق غير المعذور والتفضيل هناك في حق المعذور وهل هذا إلا تناقض

وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور فطرد دليله وحينئذ فلا يكون في الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر

وأما ما احتج به منازعهم من قوله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم , فجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على أنه يكتب مثل الثواب الذي كان يكتب له في حال الصحة والإقامة؛ لأجل نيته له وعجزه عنه بالعذر. وهذه قاعدة الشريعة: أن من كان عازما على الفعل عزما جازما وفعل ما يقدر عليه منه , كان بمنزلة الفاعل , فهذا الذي كان له عمل في صحته وإقامته عزمه أنه يفعله وقد فعل في المرض والسفر ما أمكنه فكان بمنزلة الفاعل. كما جاء في السنن: فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة

وكما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم , قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر , وقد قال تعالى في سورة النساء 95: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم

فهذا ومثله يُبين أن المعذور يُكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه وذلك لا يقتضي أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح فليس في الحديث أن صلاة المريض نفسها في الأجر مثل صلاة الصحيح , ولا أن صلاة المنفرد المعذور في نفسها مثل صلاة الرجل في الجماعة , وإنما فيه أن يُكتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم , كما يُكتب له أجر صلاة الجماعة إذا فاتته مع قصده لها

وأيضا فليس كل معذور يُكتب له مثل عمل الصحيح , وإنما يُكتب له إذا كان يقصد عمل الصحيح ولكن عجز عنه , فالحديث يدل على أنه من كان عادته الصلاة في جماعة والصلاة قائما ثم ترك ذلك لمرضه فإنه يكتب له ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم وكذلك من تطوع على الراحلة في السفر وقد كان يتطوع في الحضر قائما يُكتب له ما كان يعمل في الإقامة , فأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ولا الصلاة قائما إذا مرض فصلى وحده أو صلى قاعدا فهذا لا يُكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح. ومن حمل الحديث على غير المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعدا مثل صلاة القائم وصلاته منفردا مثل الصلاة في جماعة , وهذا قول باطل لم يدل عليه نص ولا قياس ولا قاله أحد. وأيضا فيقال: تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولصلاة القائم على القاعد , والقاعد على المضطجع , إنما دل على فضل هذه الصلاة على هذه الصلاة , حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة , أما كون هذه الصلاة المفضولة تصح حيث تصح تلك أو لا تصح , فالحديث لم يدل عليه بنفي ولا إثبات , ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفسادها؛ بل وجوب القيام والقعود وسقوط ذلك ووجوب الجماعة وسقوطها: يتلقى من أدلة أخرى. وكذلك أيضا: كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أو لا يكتب له , لم يتعرض له هذا الحديث بل يتلقى من أحاديث أخرى, وقد بينت سائر النصوص أن تكميل الثواب هو لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم لا لكل أحد. وتثبت نصوص أخرى وجوب القيام في الفرض

كقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنهما: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب , وبين جواز التطوع قاعدا لما رآهم وهم يصلون قعودا فأقرهم على ذلك , وكان يصلي قاعدا مع كونه كان يتطوع على الراحلة في السفر , كذلك تثبت نصوص أخرى وجوب الجماعة, فيعطي كل حديث حقه , فليس بينها تعارض ولا تناف , وإنما يظن التعارض والتنافي من حملها ما لا تدل عليه , ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله .. والله أعلم.

المصدر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

طور بواسطة نورين ميديا © 2015