فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع وما بعده دون ما قبله وهو المطلوب. وأما السنة فالأحاديث المستفيضة في الباب: مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه , عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة: فأحرق عليهم بيوتهم بالنار فهم بتحريق من لم يشهد الصلاة وفي لفظ قال: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ... الى آخر الحديث
.
وفي المسند وغيره قال عليه الصلاة والسلام: لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة ,. فبين صلى الله عليه وسلم أنه همّ بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة, وبيّن أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية , فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة , وفي تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله , وكان ذلك بمنزلة إقامة الحد على الحبلى. وقد قال سبحانه وتعالى في سورة الفرقان 48: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
.
ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة فسياق الحديث يبين ضعف قوله , حيث ذكر صلاة العشاء والفجر , ثم أتبع ذلك بهمّهِ بتحريق من لم يشهد الصلاة. وأما من حمل العقوبة على النفاق لا على ترك الصلاة فقوله ضعيف لأوجه أربعة
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقيل المنافقين إلا على الأمور الباطنة , وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم , فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم
الثاني: أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره
الثالث: أنه سيأتي إن شاء الله حديث ابن أم مكتوم حيث استأذنه أن يصلي في بيته فلم يأذن له , وابن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين أثنى عليه القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة , وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم
الرابع: أن ذلك حجة على وجوبها أيضا: كما قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما , فليُصلّ هذه الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن؛ فإنّ الله شرع لنبيه سنن الهدى , وأنّ هذه الصلوات الخمس في المساجد التي يُنادى بهنّ من سنن الهدى , وأنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته, لتركتم سنة نبيكم , ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم , ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق, ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف
فقد أخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض وصلاة الضحى ونحو ذلك. كان منهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه , كما قال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق , ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق , كان واجبا على الأعيان , كخروجهم إلى غزوة تبوك , فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به المسلمين جميعا ولم يأذن لأحد في التخلف إلا من ذكر أنّ له عذرا , فأذن له لأجل عذره. ثم لما رجع كشف الله أسرار المنافقين وهتك أستارهم وبيّن أنهم تخلفوا
لغير عذر
والذين تخلفوا لغير عذر مع الإيمان عوقبوا بالهجر حتى هجران نسائهم لهم حتى تاب الله عليهم. (فإن قيل فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها وتجوزون تحريق البيوت عليه إذا لم يكن فيها ذرية. قيل له: من الأفعال ما يكون واجبا ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه , وقد صار اليوم كثير ممّن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه , فيتركها متأولا , وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد تأويل , لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد باشرهم بالإيجاب
¥