وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني
.
والمقصود هنا: أن أئمة المسلمين متفقون على أنّ إقامة الصلوات الخمس في المساجد , هي من أعظم العبادات وأجل القربات , ومن فضّل تركها عليها إيثارا للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس في الجماعات , أو جعل الدعاء والصلاة في المشاهد , أفضل من ذلك في المساجد, فقد انخلع من ربقة الدين واتبع غير سبيل المؤمنين. لقوله تعالى في سورة النساء 115: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.
ولكن تنازع العلماء بعد ذلك في كونها واجبة على الأعيان أو على الكفاية أو سنة مؤكدة على ثلاثة أقوال: فقيل: هي سنة مؤكدة فقط وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة وأكثر أصحاب مالك وكثير من أصحاب الشافعي , ويذكر رواية عن أحمد رحمهم الله جميعا. وقيل: هي واجبة على الكفاية وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي وقول بعض أصحاب مالك وقول في مذهب أحمد. وقيل هي واجبة على الأعيان؛ وهذا هو المنصوص عن أحمد وغيره من أئمة السلف وفقهاء الحديث وغيرهم. وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردا لغير عذر هل تصح صلاته؟ على قولين؟ أحدهما لا تصح وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب عنهم وبعض متأخريهم كابن عقيل وهو قول طائفة من السلف واختاره ابن حزم وغيره.
والثاني تصح مع إثمه بالترك وهذا هو المأثور عن أحمد وقول أكثر أصحابه. والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده. قالوا: ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد ولم يكن هناك تفضيل وحملوا ما جاء من هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق على من ترك الجمعة أو على المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق , وإن تحريقهم كان لأجل النفاق , لا لأجل ترك الجماعة مع الصلاة في البيوت. وأما الموجبون: فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار. أما في الكتاب فقوله تعالى في صلاة الخوف في سورة النساء 102: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك.
وفيها دليلان: أحدهما أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف وذلك دليل على وجوبها حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن ..
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر. كاستدبار القبلة والعمل الكثير فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق , وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور , وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر, فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدهم صلاة تامة, فعلم أنها واجبة. وأيضا فقوله تعالى سورة البقرة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين , إما أن يراد به المقارنة بالفعل وهي الصلاة جماعة. وإما أن يراد به ما يراد بقوله تعالى: وكونوا مع الصادقين , فإن أريد الثاني لم يكن فرق بين قوله صلى الله عليه وسلم: صلوا مع المصلين وصوموا مع الصائمين
واركعوا مع الراكعين , والسياق يدل على اختصاص الركوع بذلك. فإن قيل: فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة. قيل: خص الركوع بالذكر لأنه تدرك به الصلاة فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة , فأمر بما يدرك به الركعة كما قال تعالى لمريم عليها السلام: اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين
فإنه لو قيل: اقنتي مع القانتين لدل على وجوب إدراك القيام ولو قيل: اسجدي لم يدل على وجوب إدراك الركوع بخلاف قوله: واركعي مع الراكعين
¥